الفيض الكاشاني

79

مجموعة رسائل

معذّباً بالعذاب الأليم مع الشّياطين » ( « 1 » ) ، « فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ » ( « 2 » ) . إذا ثبت هذه المقدّمات ظهر : أنّ كلّا من الجنّة والنّار إنّما تنشئان من النّفس ، وإنّهما حالّتان في موضوعها وحالّتان لها ، وتحدثان لكلّ نفس بحدوثها ، وتعمران بأعمالها ومدركاتها وأخلاقها وملكاتها التّى تحصل لها من أوّل العمر إلى آخره ؛ فإنّ من ألَفَ حقيقةً وآنس طريقةً واعتاد عملًا وأحبّ أشياءً واستمرّ على ذلك مدّةً وربّاه يوماً فيوماً وشيئاً فشيئاً ، ترسّخ ذلك لا محالة في نفسه وصار جزءً من حقيقة ذاته بحيث يتعذّر أو يتعسّر انفكاكه عنها ؛ فيحمله معه إلى الآخرة فيكون قرينه شاء أم أبى ، ولا ينفعه حينئذٍ كراهته له ونفرته عنه ولا يصير ذلك سبب الانفكاك عنه . ألا ترى أنّه إذا أصابتك مصيبةٌ في الدنيا كيف كلّما خطر ببالك اغتممت بها وتأذّيت بسببها ، ولا يمكنك أن لا تخطرها ببالك أو تتناسى عنها ، لأنّها تفجأك من غير اختيار لك ، إلّا أنّك في الدنيا تغفل عنها إحياناً بسبب الشواغل ؛ بخلاف الآخرة ، فإنّه لا ينفكّ مخترعاتك عنك بحال لصفاء المحلّ وقوّته وعدم الشّاغل وصيرورة القوى كلّها قوّةً واحدةً - كما بينّاه - . فالمؤمن يحمل معه من الدنيا ممّا اكتسبه طول عمره ما يأنس بمنادمته ويلتذّ بإدراكه ويفرح بمصاحبته ويسرّ برؤيته وسماعه ولمسه ، من الصّور الحسان واللؤلؤ والمرجان والحور العين والغلمان ، حسبما اقتضته أخلاقه الفاضلة وأعماله الحسنة ، التذاذاً

--> ( 1 ) - راجع : الحكمة المتعالية : 5 / 230 ، باب 11 ، فصل 9 . ( 2 ) - الواقعة : 42 - 44 .