الفيض الكاشاني
78
مجموعة رسائل
والنبيين والصّدّيقين والشهداء والصالحين « عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ » ( « 1 » ) ؛ وكذلك من غلبت عليه اللذّات الحسّية الأخروية من الجنّة ونعيمها وسرورها وحورها وقصورها والخوف من عذاب الآخرة ونار جهنّم وآلامها وعمل بمقتضى الوعد والوعيد ، فإنّه يحشر في النشأة الحسّية الأخروية في أصحاب اليمين « فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ » ( « 2 » ) . « وأمّا من غلبت عليه المستلذّات الحسّية الدّنيوية والعادة بهذه المألوفات الفانية ، فهو بعد وفاته أليف غصّة شديدة ورهين عذاب أليم ؛ لأنّ الدّنيا ولذّاتها أمور مجازية لا حقيقة لها ، والإحساس بها انفعالات لاتنفعل النفس بها عند الحدوث وتزول عنها بسرعة ولاتدوم ، ولكن يبقى الأثر والعادة في المحبّة والاشتياق ، فمن عشقها واشتاقها كان كمن أحبّ أمراً معدوماً محبّةً مفرطةً وطلب شيئاً باطلًا طلباً شديداً ، وحيث لميكن لمحبوبه أثر ولا لطلبه غاية فهو في هذا الحال في غصّة وألم ، إلّا أنّهم ما داموا في الدّنيا يشتبه ذلك عليهم ويزعمون أنّ لمحبوباتهم حقيقة فيأكلون ويتمتّعون « كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ » ( « 3 » ) . لأنّه إذا طلعت شمس الآخرة وقامتِ الحقيقة اضمحلّت بها رسوم المجازات وذابت بإشراقها أكوان المحسوسات اضمحلال الظلال وذؤبان الجميد بحرارة ارتفاع الشمس في أوان الصيف ، فبقى المحبّ للدنيا والمحسوسات المادّية محترقاً بنار الجحيم
--> ( 1 ) - الواقعة : 15 و 16 . ( 2 ) - الواقعة : 28 - 30 . ( 3 ) - محمّد : 12 .