علي أنصاريان ( إعداد )
23
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار
بيان : الفقرة الأولى إقرار بالعجز عن الحمد باللسان كما أنّ الثانية اعتراف بالقصور عن الشكر بالجنان ، والثالثة عن العمل بالأركان . و « الهمّة » القصد والإرادة و « بعدها » علوّها وتعلّقها بالأمور العالية ، أي لا تدركه الهمم العالية المتعرّضة لصعاب الأمور الطائرة إلى إدراك عوالي الأمور . و « الفطن » بكسر الفاء وفتح الطاء - جمع « فطنة » بالكسر - ، الحذق وجودة استعداد الذهن لتصور ما يرد عليه ، أي لا يصل إلى كنه حقيقته الفطن الغائصة في بحار الأفكار . قوله - عليه السلام - « الّذي ليس لصفته » أي لا يدخل في صفاته الحقيقيّة حدّ محدود من الحدود والنهايات الجسمانيّة ، ويحتمل أن يكون الصفة بمعنى التوصيف أي لا يمكن توصيفه بحدّ . ووصف الحدّ بالمحدود إمّا لأنّ كلّ حدّ من الحدود الجسمانيّة فله حدّ أيضا كالسطح ينتهي إلى الخطوط مثلا ، أو على المبالغة كقولهم : شعر شاعر . ويمكن أن يقرأ على الإضافة وإن كان خلاف ما هو المضبوط ، ويمكن أن يكون المعنى : أنهّ ليس لتوصيفه - تعالى - بصفات كماله حدّ ينتهى إليه بل محامده أكثر من أن تحصى . ( 1 ) ولا يوصف أيضا بنعت موجود أي بالصفات الزائدة ردّا على الأشعريّ ، وإنّما قيّد بقوله « موجود » إذ لا ضير في توصيفه بالصفات الاعتباريّة والإضافيّة ، ويحتمل أن يكون المراد نعت موجود في المخلوقين ، أو يكون الموجود من الوجدان أي نعت يحيط به العقل . واحتمال الإضافة فيها وفي قرينتيها باق مع بعده . ولا يمكن وصفه أيضا بالوقت والأجل ، والفرق بينهما باعتبار الابتداء والانتهاء أي ليس له وقت معدود من جهة الأزل ولا أجل مؤجّل ممدود من جهة الأبد . وقال ابن أبي الحديد : يعني بصفته ههنا كنهه وحقيقته ، يقول : ليس لكنهه حدّ
--> ( 1 ) أو كان المعنى - كما حكي عن أبي الحسن الكيدري - بأن يؤوّل حد محدود على ما يؤوّل به كلام العرب : « ولا يرى الضبّ بها ينحجر » أي ليس بها ضبّ فينحجر ، حتّى يكون المراد أنهّ ليس له صفة فتحدّ ، إذ هو - تعالى - واحد من كلّ وجه ، منزهّ عن الكثرة بوجه ما ، فيمتنع أن يكون له صفة تزيد على ذاته كما في سائر الممكنات ، وصفاته المعلومة ليست من ذلك في شيء ، إنّما هي نسب وإضافات لا يوجب وصفه بها كثرة في ذاته ، قال : وممّا يؤكّد هذا التأويل قوله بعد ذلك « فمن وصف اللهّ - سبحانه - فقد قرنه » .