أبو علي سينا
250
الشفاء ( المنطق )
وإن كنا قد نستقرئ من تكرار المحسوسات الجزئيات « 1 » أمورا كلية - لا لأن الحس أدركها ونالها - ولكن لأن العقل من شأنه أن يقتنص من الجزئيات المتكررة « 2 » كليا مجردا معقولا لم يكن الحس أدركه ، ولكن أدرك جزئياته فاختلق العقل من الجزئيات معنى معقولا لا سبيل إليه للحس ، بل يناله بإشراق فيض إلهي عليه « 3 » . وأيضا فإنا « 4 » كثيرا ما نتوصل بالحس إلى مقدمات كلية - لا لأن الحس يدركها - بل لأن العقل يصطادها على سبيل التجربة ، وعلى ما أوضحناه نحن من قبل حيث « 5 » بينا ما التجربة . ولما كان الحس قاصرا في كثير منها عن الإدراك المستقصى ، صار يوقعنا ذلك في عناء وبحث عن حال ذلك المحسوس نفسه بقوة غير الحس وهي العقل بالفعل « 6 » مثل حال الزجاجة والجسم الملون الذي وراءها ، فإن الجسم الملون الذي وراءها يرى من غير أن تحجب القارورة دون ذلك حجب كثيرة من الأجسام الأخرى . فقوم يقولون إن السبب في شف الزجاجة أن كل ما لا لون له فهو شاف « 7 » مؤد للون الذي وراءه . وقوم يرون أن سبب ذلك استقامة المسام والثقب التي في الزجاجة فينفذ فيها الشعاع الخارج من البصر ويجوزها إلى أن يلاقي المبصر . قيل في التعليم الأول : فلو كان الحس مما يمكنه بنفسه إدراك الثقب لكان العقل سيجد سبيلا إلى أن يحكم بأن السبب فيه الثقب ، وأن الإبصار كائن بنفوذ البصر في تلك الثقب ، ولكان يميل إلى المذهب المائل إليه ، وإن كان بعده البحث باقيا أنه : هل فيها هواء أو خلاء « 8 » ، وإن كان فيها هواء فهل الهواء في تلك الثقب يؤدي اللون ، أو الشعاع ينفذ إليه فيه ؟ . وبالجملة لو كان الإبصار بنفوذ [ 112 ا ] شيء في الثقب ، وكان الحس مع ذلك يميز ذلك ويدركه ، لكان العقل يجد سبيلا إلى أن يحكم في الإبصار بأن السبب فيه اتصال بين البصر والمبصر بواسطة شعاعية ، لا نفس شفيف الزجاجة من حيث لا لون لها ، وكان حينئذ يكون ذلك العلم حاصلا بالحس ، لا أن « 9 » الحس حصله ، لكن لأن العقل اتخذ الحس مبدأ للتجربة .
--> ( 1 ) س ساقطة . ( 2 ) س المتكثرة والمتكررة أصوب . ( 3 ) هذا الفيض الإلهي الإشراقي لا وجود له في أرسطو ، وهو أدنى إلى نظرية أفلاطون في المثل . ( 4 ) س فإن . ( 5 ) س وحيث . ( 6 ) م ، ب بالعقل . ( 7 ) شفاف . ( 8 ) س خلاء أو هواء . ب هواء وخلاء . ( 9 ) م لأن - وهذا عكس المطلوب .