أبو علي سينا

مقدمة الشفاء 59

الشفاء ( المنطق )

وليس معنى هذا أن تعلم المنطق يعصم حتما من الخطأ ، فكم من مناطقة يخطئون . ولكن كثيرا ما يرجع خطؤهم إلى أنهم لم يستوفوا صناعتهم ، أو لم يلتزموها في بعض المواضع وعولوا على الفطرة ، أو لم يحسنوا استخدامها . ومهما يكن فخطأ صاحب العلم والصناعة أقل بكثير من المحروم منهما . ونسبة المنطق إلى الروية الباطنة التي تسمى النطق الداخلي ، كنسبة النحو إلى العبارة الظاهرة التي تسمى النطق الخارجي ، أو كنسبة العروض إلى الشعر « 1 » . وقد تغنى الفطرة البدوية عن النحو ، كما تغنى القريحة الشعرية عن العروض « 2 » . أما صناعة المنطق فلا غنى عنها لمن يحاول اكتساب العلم بالنظر والروية « 3 » . قد لا يستساغ اليوم كثيرا ذلك الإسهاب في بيان قواعد المنطق ومنفعته ، إلا أنه كان طبيعيا وضروريا في عصر ابن سينا . كان طبيعيا لأن البحث في ثمرة كل علم جزء من مقدماته اللازمة « 4 » . وضروريا لأن الدراسات الفلسفية كانت تقاس بمقياس الحاجة والفائدة ، بل وبمقياس الشرع أيضا ، فحرم بعضها وأبيح البعض الآخر . والمنطق خاصة مما أجيز الاشتغال به على الأرجح ، لما فيه من مزايا ، ولأنه لا يتعلق بشيء من الدين نفيا وإثباتا « 5 » . وربما كان لازما ومما ينبغي تحصيله ، لأنه يعين على إثبات وجود اللّه وصفاته « 6 » .

--> ( 1 ) " النطق الداخلي " و " النطق الخارجي " تعبيران لابن سينا يذكراننا بتقابل آخر مشهور لدى الرواقيين وهو ( 2 ) ليس ابن سينا أول مبتكر لتشبيه المنطق بالنحو أو بالعروض ، فقد سبقه الفارابي إلى ذلك ( إحصاء العلوم ، ص 58 - 62 ) ؛ وردّده الغزالي ( معيار العلم ، ص 26 ) ؛ وأخذ به المناطقة المتأخرون ، وكلنا يذكر بيت " السلم " المشهور : وبعد فالمنطق للجنان * نسبته كالنحو للسان ( 3 ) ابن سينا ، المدخل ، ص 20 . ( 4 ) Madkour , L Organon , p . 48 - 49 . ( 5 ) الغزالي ، المنقذ من الضلال ، طبعة القاهرة ، ص 3 . ( 6 ) ابن رشد ، فصل المقال ، طبعة القاهرة ، ص 3 .