أبو علي سينا

مقدمة الشفاء 55

الشفاء ( المنطق )

2 - موضوعه ومنفعته : العلم ضربان : تصوّر يراد به إدراك المفرد كما يتصوّر الإنسان أو الحساس ، وتصديق يراد به إدراك النسبة فيضم مفردان أحدهما إلى الآخر ، وتعقد بينهما صلة تحتمل الصدق أو الكذب ، مثل قولنا : الإنسان حساس . وواضح أن كل تصديق يقتضى تصوّرا ، ولا عكس « 1 » . هذان في رأى ابن سينا هما بابا المعرفة العادية الوحيدان ، بعد الفطرة والبديهة التي هي في الحقيقة قليلة المعونة ، لأن العلم في أغلبه مكتسب لا فطرى « 2 » . وندع جانبا المعرفة ، القائمة على الكشف والإلهام ، لأنها مقصورة على فريق قليل من الناس مؤيد بعون من اللّه « 3 » . وما أشبه تصوّره بالإدراك الحسى في علم النفس الحديث ، وتصديقه بالحكم وإن كان حكمه يقتضى ضربا من الجزم والاعتقاد على نحو ما يرى اسبينوزاوتين « 4 » . ذلك لأنه حكم يقوم على تفكير وروية ، أو بعبارة أخرى هو حكم منطقي ، لا مجرد ربط بين طرفين كما يحدث في أحكامنا الدارجة التي لا حصر لها . ومن هنا اختلط الحكم لديه بالاستدلال ، فتصديقه يشمل الأمرين معا . ونحن لا ننكر أن الاستدلال حكم مركب ، ولكنهما سيكلوجيا عمليتان عقليتان متميزتان . ومهما يكن من أمر هذا الخلط المألوف في الدراسات السيكلوجية القديمة ، فإن ابن سينا يجد في التصوّر والتصديق الدعامة الأولى للمنطق ، فعليهما تعتمد النظريات المنطقية المختلفة ، وليس ثمة منطق إلا وله أساس من علم النفس . فتصوّراتنا وتصديقاتنا تخطئ وتصيب ، ولا بد من وضع قواعد لكل منها .

--> ( 1 ) ابن سينا ، المدخل ، ص 17 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 16 - 17 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 20 . ( 4 ) Delacroix , Traite de Psychologie , Paris , 1924 , t . LL . p . 146 .