أبو علي سينا

مقدمة الشفاء 50

الشفاء ( المنطق )

ومن الناحية المنهجية استولت فكرة المدخل أيضا على كثيرين من مؤلفي الإسلام ، وخاصة في القرنين الثاني والثالث للهجرة ، فرأوا ضرورة التمهيد للدراسات المفصلة ببحوث مختصرة تقدم لها ، وتيسر أمر ها « 1 » . وألفوا مداخل لبعض العلوم كالفلك والرياضة والطب والكيمياء والطبيعة ، أو لبعض الأشخاص والمدارس ، ووصلتنا نماذج منها « 2 » . استن هذه السنة جماعة السريان ، من نساطرة ويعاقبة ، الذين اضطلعوا بعبء الترجمة العربية الأكبر ، وحاكاهم فيها فريق من المؤلفين المسلمين فيما بعد . وربما كانت هذه المداخل أول ضوء ألقى في أفق الدراسات العقلية في الإسلام . وبذا طغت كلمة " مدخل " العربية على كلمة " إيساغوجى " اليونانية الأصل ، وحلت محلها فترة طويلة من الزمن . ولكنا رأينا الأخيرة تعود إلى الظهور وإن تكن في ثوب آخر ، فقد تخيرها مؤلف عربى في القرن الثالث عشر الميلادي اسما لمختصر في المنطق قدر له أن يتدارس إلى اليوم « 3 » . ومن الناحية الموضوعية لم يكن أثر " إيساغوجى " بأقل من أثره المنهجي ، فقد وضع دعائم نظرية الكليات الخمس التي تعد بابا هاما من أبواب المنطق العربي . حقا إن إخوان الصفاء شاءوا أن يضيفوا إلى ألفاظ فرفوريوس لفظا سادسا هو الشخص ، ظنوا أنه في حاجة إلى الشرح بدرجة لا تقل عن ألفاظ " إيساغوجى " « 4 » . ولكنهم بهذا خرجوا بنظرية المؤلف عن أساسها ، وعدوا الأمر مجرد توضيح لفظي ، مع أن فرفوريوس ، وإن عنى بهذا التوضيح ، كان يرمى أولا وبالذات إلى حصر الكليات تحت صنوف معينة . لهذا لم يجاوز

--> ( 1 ) القفطي ، تاريخ الحكماء ، ص 115 ، 262 ، 263 ، 369 ؛ ابن أبي أصيبعة ، عيون الأنباء ، ج 1 ، ص 198 . ( 2 ) الفارابي ، الثمرة المرضية ، ليدن ، 1892 ، ص 49 وما بعدها ؛ Madkour , L Organon , p . 71 . ( 3 ) الأبهري ، إيساغوجى ، القاهرة ، 1916 . ( 4 ) إخوان الصفاء ، رسائل ، القاهرة ، 1928 ، ج 1 ، ص 313 .