أبو علي سينا

مقدمة الشفاء 16

الشفاء ( المنطق )

ويظهر أن هذه المقدمة لم تكن في متناول رجال القرون الوسطى المسيحية في يسر ، ولم يستوعبوا " الشفاء " بحيث يستطيعون أن يدركوا أنه دراسة شخصية لا مجرد شرح وتعليق . ولم يقفوا أيضا في وضوح على مقدمة الجوزجاني التي جاء فيها على لسان ابن سينا : " أما الاشتغال بالألفاظ وشرحها فأمر لا يسعه وقتي ولا تنشط له نفسي . فإن قنعتم بما يتيسر لي من عندي ، عملت لكم تصنيفا جامعا على الترتيب الذي يتفق لي « 1 » " . ذلك لأن هاتين المقدمتين ارتبطتا بالمدخل ، وكان أقل " أجزاء الشفاء " المترجمة إلى اللاتينية تداولا . هذا إلى أن نسخه المتداولة لم تكن جميعها مستوعبة ، وليس فيما وصلنا منها إلا اثنتان فقط هما اللتان تشتملان على هاتين المقدمتين . وروجر بيكون هو الذي استطاع خاصة أن يتبين حقيقة الكتاب ، ويدرك أنه عرض طليق لفلسفة ابن سينا ، دون تقيد بنص ثابت أو أصل معين ، ولعله وقف على المقدمتين السابقتين « 2 » . ولم يقف الأمر عند المدرسيين ، بل امتد إلى التاريخ المعاصر ، فرأينا " مهرن " في أخريات القرن الماضي يعود إلى القول بأن " الشفاء " مجرد شرح لأرسطو ؛ وفي نشر هذا الكتاب ما يقضى على كل ذلك « 3 » . على أن هذا ليس معناه أن ابن سينا لم يتأثر بأرسطو في كتابه هذا ، بل بالعكس تأثر به كل التأثر ، وعول عليه التعويل كله ، فحاكاه في ترتيبه ، واستمد منه مواد كثيرة ، ولا يتردّد في أن يصرح بذلك ، فيقول : " ولما افتتحت هذا الكتاب ابتدأت بالمنطق ، وتحريت أن أحاذى به ترتيب كتب صاحب

--> ( 1 ) المصدر نفسه ، ص 2 . ( 2 ) Nallino , Filosofia " orientale " od " illuminativa " d' Avicenna , dans Rivista del . Stud . orie . , Roma , 1925 , Vol . X , Fasc . 4 , PP . 433 - 467 ؛ الدكتور بدوي ، التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية ( حيث توجد ترجمة كاملة للمقال السابق ) القاهرة ، 1946 ، ص 245 - 296 . ( 3 ) Bouyges , Roger Bacon a - t - il lu des livres arabes , dans Arch . d' hist . doctr , Paris , 1930 , t . v . , P . 312 ; Mehren , Museon , 1883 , t . II , p . 464 , 1885 , t . IV , p . 494 .