أبو علي سينا

275

رسائل ( ط بيدار )

بصرها صم في سمعها لا قرار لها ولا راحة ابد الآبدين ودهر الداهرين مشتاقة إلى حالتها الأولى كما قال اللّه تعالى حاكيا عنهم ( رب ارجعونى لعلى اعمل صالحا فيما تركت ) نعوذ بالله من هذه الحالة وكذلك إذا كانت طابقت القوى البدنية في افعالها الخبيئة حتى استلذت بها واعتادتها فإنها إذا فارقت البدن نزعت إليها وطلبتها ومن لها بها وقد بطلت القوى والآلات الموصلة إليها وإلى هذا يصرف قوله تعالى ( وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ) فهي إذ ذاك خليفة المكروه ورفيقة الفجيعة الا ان هذا الخطب أيسر إذا لعادة مما تزايل واما الحالة الأولى فهي الباقية العظيمة والنادية الأليمة إذ الطبيعة مما لا تباين واما أن تكون غير محببة بشيء بشأن العقائد فإنها إذا فارقت مع الصورة الأولى كان القول فيها كالقول في نفوس الصبيان ولذلك قيل إن أكثر أهل الجنة البله وان دامت اعتادت الأمور البدنية فإنها تنال لذلك الألم لما بينا لأنها في عاقبة الامر تفارقها - واما النفس الكاملة في العلم المواظبة على العمل الصالح الراغبة عن الزخارف الدنياوية فإنها لكمال ذاتها ناجية لأنها متألمة بما يفوتها من المطالب الدنياوية على حسب ما بينا ولكن الراحة من هذا الألم آتية لا محالة ولذلك لم ير أهل السنة خلود أهل الكبائر من المؤمنين - واما إذا كانت النفس زكية في ذاتها غير اليفة لعادات السوء متعهدة في حال غربتها للأوضاع الشرعية التي بها تصفوا لنية الخالصة التي هي تجرد ذات النفس للاطلاع على عالمها والشوق إلى خالقها كما نوضحه بعد وكانت مع ذلك بالغة في العلم مرتبة بتجريد ذاتها لتصور المعقولات وكانت عقلت مبادى الموجودات والصور المفارقة فإنها إذا فارقت اتصلت بالفيض الإلهي عند سدرة المنتهى تحت عرش الرحمة وفي جواره وفي عالمه الأولى ناظرة إلى ذاتها كما قال تعالى ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ) وقد انكشف لها جميع الحقائق وقد كانت تلتذ في دار الغرور والغربة بين أيدي الأعداء بإصابة حقيقة واحدة فكيف عند انكشاف جميع الحقائق ثم هي مع ذلك لانقلابها في ذاتها إلى جوهر الفيض الإلهي الذي