أبو علي سينا
276
رسائل ( ط بيدار )
ذكرناه لاتصالها به وهو مدبر هذا العالم تنال رئاسة العالم وتدبره فتصير ملكا للعالم وقد وصف اللّه تعالى هذه الحالة فقال عز من قائل ( وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا ) ثم الشأن الأعظم والسعادة الكبرى التي تنالها هناك هو ارتفاع الوسائط بينها وبين معشوقها ومعشوق جميع الموجودات واليه حركتها وبسبب الوصول اليه سكونها وبالعشق له قوامها اعني الحق المحض والخير المحض والمعشوق لذاته والمعقول الحق بذاته جل ذكره فأي فرحة ولذة تنالها النفس مثل هذه اللذة والفرحة بل اى نعمة كهذه النعمة بل اى ملك كهذا الملك فما أولى بالعاقل ان يسعى لتحصيلها ويجد في اقتنائها ويحترز عن الأحوال المضادة لها المهروب عنها لذاتها كما أن هذه مرغوب فيها لذاتها وهي السعادة التي كنا لوحنا بذكرها صدر هذه الرسالة - القول في الطرق المؤدية إلى هذه السعادة ومباينة الحال المقابلة لها جملة ما يلزم النفوس من العوارض الضارة بها الحائلة لها عن مرتبتها مما قدمنا ذكرها انما هي لمطابقتها القوى الفاسدة اطمئنانا بها إليها وهذه القوى على قسمين اما عرافة واما فعالة والعرافة الفاسدة إذا اطمأنت النفس إليها في عقائدها ثم فارقتها عرض لها من السوء ما قدمنا ذكره والنفس الإنسانية غير متخلصة من حالة هذه القوة الا بعد تقديم يعرف بالحقائق باتقان العلم الفلسفي فالواجب ان لا يتقاعد عن تحصيل الفلسفة التي هي المنجاة عن خدعة هذا القسم من القوى النفسانية الضارة بذات النفس النطقية - فاما القوة العاقلة وهي المسماة بالشوقية فإنها تنقسم إلى شهوانية وغضبية وقوة مدبرة وقد تصدر عن القوة الغضبية والشهوانية افعال بالاشتراك مثل الطمع وما أشبهه وقد يصدر عنها افعال مختصة بالإضافة إلى واحدة منها دون الأخرى فان النفس النطقية إذا طابقت هذه القوى في افعالها الذاتية فإنها وان لم تكن في ذاتها دنية إذ هي غير مستقبحة فيما خلا السببين فإنها دنية بالإضافة إلى افعال القوة النطقية