أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
73
عجائب المقدور في نوائب تيمور
ثم رجع تيمور من الدشت في شعبان ، سنة ثمان وتسعين ، فمكث بسلطانيه ثلاثة عشر يوما ، ثم توجه إلى همذان ، ومكث بها إلى ثالث عشر شهر رمضان ، ثم استدعى من سلطانيه الملك الظاهر ، بإكرام تام ، وانشراح صدر وخاطر ، ففكوا قيوده وقيود متعلقيه ، وعظموه غاية التعظيم مع ذويه . وتوجه إليه يوم الخميس خامس عشره ، ودخل عليه يوم السبت سابع عشره ، فتلقاه بالاحترام واعتنقه ، وأذهب عنه دهشه وقلقه ، وقبله في وجهه مرارا ، واعتذر إليه مما فعله معه جهارا ، وقال له : إنك لله ولي ، ورفيع القدر كأبي بكر وعلي ، وتحلل منه ، عما صدر في حقه عنه ، وأضافه ستة أيام ، وخلع عليه خلع الملوك العظام ، وأحله محلا جميلا ، وأعطاه عطاء جزيلا ، من ذلك مائة فرس وعشرة بغال ، وستون ألف دينار كبكية « 1 » وستة جمال ، وخلعا مزركشة مكلله ، وانعامات وافرة مكملة ، ولواء يخفق على رأسه منصورا ، وستة وخمسين منشورا ، كل منشور بتولية بلد ، وأن لا ينازعه فيه أحد ، أول ذلك الرها إلى آخر ديار بكر ، إلى حدود أذربيجان ، وأرمينية ، وكل ذلك من الدهاء والمكر ، وأن جميع حكام تلك البلاد يكونون تحت طاعته ، معدودين في جملة خدمه وجماعته ، يحملون إليه الخراج والخدم ، ولا ينقلون إلا عن أمره قدما عن قدم ، بحيث يكون شخص كل من مجاوريه بما أفاء الله عليهم لظله فيئا ، ويعفى هو فلا يحمل إلى تيمور ولا إلى غيره شيئا . وهذا وإن كان في الظاهر كالإكرام فإنه فيما يؤول إليه وبال عليه وانتقام ، وفيه كما ترى ما فيه ، وإلقاء العداوة بينه وبين مجاوريه ، وينجرّ ذلك إلى أن يلتجىء إليه ، ويعول في كل أموره عليه ، ويدخل لكثرة الأعداء تحت ضبنه « 2 » ، فيصل إذ ذاك منه إلى حضنه ، ثم إنه شرط عليه ، أنه كلما طلبه جاء إليه .
--> ( 1 ) - تنسب الدنانير الكبكية إلى الخان الجغتائي كبك بن دوا ( 718 - 726 ه / 1318 - 1326 م ) زامباور ج 2 ص 372 - 373 . ( 2 ) - الضبع من الجسد : ما بين الكشح والإبط .