أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

55

عجائب المقدور في نوائب تيمور

إليهم عساكر سجستان ، وذلك بعد أن شملها العمران ، وكان نائبها يدعى شاه أبا الفتح ، فحاصروها نحوا من عشر سنين ، وهم ما بين ظاعنين عنها وعليها مقيمين ، وهي بكر لا تفتح لطالبها بابا ، وعابس لا يملك خاطبها منها خطابا ، وكان تيمور ولى كرمان ، شخصا يدعى ايدكو من إخوان الشيطان ، فكان هو المشار إليه ، ومن العسكر هو المعول عليه . ولما تحقق كودرز من شاه منصور وفاته ، وخذله الأنصار وأعجزه الإنتصار وفاته ، وكان أبو الفتح يراسله كل ساعة ، ويتكفل له عند تيمور بالشفاعة ، أذعن للصلح ، واستعمل لذلك أبا الفتح ، ونزل متراميا عليهم ، وسلم الحصن إليهم ، فحنق ايدكو عليه ، لكون عقد الصلح لم ينحل على يديه ، فقتله من ساعته ، ولم يلتفت إلى أبي الفتح وشفاعته ، فأخبر تيمور بذلك ، وكان في بعض الممالك فغضب عليه غضبا شديدا ، ولكن فات التدارك . فصل : مما يحكى عن ايدكو هذا متولي كرمان ، أنه كان بها للسلطان ، أحمد أخي شاه شجاع ولدان صغيران ، أحدهما يدعى سلطان مهدي ، والآخر سليمان خان ، وكان سليمان خان في غاية الحسن واللطافة ، حاويا معاني الملاحة والظرافة ، مبنى بالكمال ، مربى بالدلال ، ألفاظه رائقه ، وألحاظه راشقه ، والأرواح إليه شائقه ، وأرباب الألباب له عاشقه ، حركاته في القلوب ساكنه ، ولفتاته للخلق فاتنه ، كما قيل شعرا : نسيم عبير في غلالة ماء * وتمثال نور في أديم هواء وعمره إذ ذاك ستة أعوام ، ولكن مفتتن به الخاص والعام فعزم ايدكو على اتلافهما ، وإلحاقهما بأسلافهما ، ولم يكتف من تلك الدرة بأنها صارت يتيمه ، ولا رق لأمهما التي خربت ديارها ، لكونها مخدرة كريمه ، ولم يكن لها مدافع ، ولا عنها ممانع ، فطلب من الجلادين من يعتمد في ذلك عليه ، فلم تطب نفس أحد أن تمتد يد بمكروه إليه ، ومضى على ذلك مدة ،