أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
319
عجائب المقدور في نوائب تيمور
وأين من يوفي المقامات حقها ؟ ويعطي كل مستحق منها مستحقها ، ولقد سلكت في هذا الكتاب مسلك أبناء العصر ، وطريقة أولاد الدهر ، فإن الناس بزمانهم ، أشبه منهم بآبائهم ، ولو أخذت فيه أخذ العرب العرباء ، وألبسته في ألفاظه ومعانيه ثوب الاستعصاء والإباء ، فأبرزت ما قصدته من المعاني الجزلة العجيبة ، في قوالب فحلة غريبة ، لما التفت أحد إليه ، ولا عول لقصور الهمم والأفهام عليه ، ولما كانت المجازات المشهورة ، خيرا من الحقائق المهجوره ، والغلط المستعمل ، أولى من الصواب المهمل ، أبرزتها في إشارات رشيقة ، وعبارات رقيقه ، وعملت في بعض المواضع بقوله رجزا : عمدا كسوت مرهبا مغثمرا « 1 » * ولو أشاء حكته محبّرا « 2 » وقد قيل : إذا أحسست في لفظي قصورا * وخطي والبراعة والبيان فلا ترتب إن رقصي * على مقدار ايقاع الزمان ثم إن بين هذا الكتاب ، وبين ما صنعه قبله ذوو الآداب ، ليونا مديدا ، وأمدا بعيدا ، بوجوه منها إن زمانهم كان بالرفاهية بساعد ، وأنا في عصر لا ساعد لي فيه ولا مساعد ، ومنها إن وقتهم كان فيه من يربي الفضل وأهله ، ويحل كلا منهم محله ، من الملوك والأكابر ، وذوي الفضائل والمآثر ، وأرباب المناصب والمفاخر ، وأقل من فيهم كان يحب السماع ، ويميل إلى الفضل والأدب بالطباع ، فكان الفضل فضيلة ، والأدب خصلة جميلة ، وأما الآن ، فقد انقلب بأهله الزمان ، فصار حامل الفضل والأدب من رهطه ، والمنتظم من العلم في سلكه وسمطه ، كأنه سارق عملته « 3 » تحت إبطه ، ومنها أن الافهام كانت مدركة ، وكانت كذلك قريحة المتكلم
--> ( 1 ) - المرهب : الثوب ذي الأكمام ، والمغثمر : الردىء الفاسد . ( 2 ) - المحبر : المزين . ( 3 ) - العملة : السرقة .