أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

317

عجائب المقدور في نوائب تيمور

وظرافة الشعراء ، وفصاحة البلغاء ، وبلاغة الفصحاء ، وحقائق الحكماء ، ودقائق العلماء ، مع الأمثال الفائقة ، والاستشهادات اللائقة ، والاستطرادات الرائقة ، والتشبيهات الغريبة ، والاستعارات العجيبة ، ونوافث السحرة من علماء البيان ، ونوادر المهرة من أرباب الديوان ، ومزجت جليل التحمس فيها بريق التغزل ، ونسجت جديد الجد بمعتق التهزل ، وطرزت طلع ذلك كله بإعلام الآيات الشريفة ، ونقوش الأحاديث الكريمة المنيفة ، أصبت بكل ذلك محز القصد ، وطبقت بحسامه مفصل الضرب ، قلت في مرآة الأدب : كأن النهي قد كان عني ناعسا * فمر على أذنيه ما أتلفظ فذاق لهذا الشهد صدق حلاوة * ففتح عينيه وجا يتلمظ فمن أراد التنزه في التواريخ ، فعليه بمداومة تكرارها ، ومن قصد التفكه في رياض الإنشاء فليقتطف من بهي أزهارها ، ومن سلك طرائق الأدب ، فليجن من حدائقها جنا ثمارها ، ومن رام التسلق إلى ذروة العلوم ، فليتشبث بأذيال أستارها ، ومن طلب الاعتبار بتقلبات الزمان ، فليتأمل حقائق أخبارها ، ومن اعتنى بسياسة الملك ، فليتدبر دقائق أسرارها ، مع أني لم أوفها حقها في التهذيب ، ولم تنل استحقاقها في حسن الترتيب والتشذيب ، لأن الكلام كالدر المنتظم ، والدر « 1 » المنسجم ، لا بد أن يتعانق لفظه ومعناه أولا وآخرا ، ويتطابق عبارته وفحواه باطنا وظاهرا ، وإلا اختل نظمه ، واعتل فهمه ، وانحطت منزلته ، وسقطت من سلم الفصاحة درجته ، وهذا يحتاج إلى بحر ذهن صاف ، ومعدن علم بكفالة ما يتم به عقود جواهر واف ، وذوق أحلى من العسل ، وفكر أمضى من الأسل ، ويحتاج كما قيل إلى حاضر من التوفيق ، ومعاون صالح من النية ، فإن غروب الألسنة ربما جاوزت إلى ما يثبت على القائلين الحجة ، ومن لي بذلك ، وأنى يتيسر لي سلوك هذه

--> ( 1 ) - الدر : اللبن الكثير .