أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
312
عجائب المقدور في نوائب تيمور
عن مملكته ، والرحيل عن إقليم ولايته وسلطنته ، وكيف لنا بذلك وهي مسقط رأسنا ، ومحل أناسنا ، ومحط إيناسنا ، وإيلاف رحلتنا ، ومزدرعات معيشتنا ، ومدرج ، آبائنا ومخرج أبنائنا ، ومقام قبائلنا وعشائرنا ، ومثابة قاطننا وغابرنا ، ولو غاب من هوام قبائلنا جد جد ، فضلا عن بلبل أو هدهد ، لحجف الباقين سيل الظلم والحيف ، ولتحكم في رقاب سائرنا صائل الموت بالسيف . وأما إذا برزنا وعزمنا ، على المسير معه وتجهزنا ، فنسأل كم سنة نغيب ، وأي جهة يريد ذلك المريد المريب ، فنأخذ أهبتنا لذلك المقدار ، وكل منا ابن عم الآخر وجار ، وله جراب فيه سويقه ، ومعه كلفة نفسه وفرسه وعليقه ، يصوم مدى الدهر ، ويفطر على ما يسد الرمق ، ويلبس ما يستر العورة من رث الثياب والخلق ، كل ذلك من زرع أيدينا وكدنا ، وما بذلنا فيه من عرق جبيننا ، والحلال غاية جهدنا ، ولا نتعرض لمال أحد ولا لعرضه ، ولا نقف في طريق إبرامه ولا نقضه ، ولا لأحد عندنا نشب ، ولا بيننا وبين أحد علاقة ولا سبب ، ولكن بأموالنا البلاء الطام ، والمصاب العام ، ثم رقّصا رؤوسهما يمينا وشمالا ، وارتعدت فرائصهما هيبة وجلالا ، وابيضت شفاهمها واسودت جباههما ، وأخذا في البكاء والعويل ، وانتحبا الانتحاب العريض الطويل ، فوالله لقد ذابت نفسي لديهما ، واستصغرت كبار المشايخ بالنسبة إليهما ، وتفكرت فيما دهاهما من شدة الأمر ، وعلمت أنهما ، هما القابضان بكفيهما على الجمر ، ثم تأوهت آها بعد آه ، وقلت بالله يا أخواناه ، وما هذا البلاء الطام ، والمصاب العام ، الذي ذكرتماه ؟ قالا : خيولنا ومواشينا ، وحوامل مهادنا وغواشينا ، نرفق بها بالتحميل ، وما نركبها إلا وقت الإعياء في الرحيل ، وأمر قضيمها قصم ظهورنا ، وأعجز أمورنا ، واضطرّنا إلى الخوض في دماء المسلمين وأموالهم ، وألجأنا إلى رعي زرعهم وتحمل