أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

254

عجائب المقدور في نوائب تيمور

النجح والفتوح في وجههم فاتحه ، ولا زال ذلك الرأس يرسي ويمشي ، حتى حط على ضواحي قرشي ، وهي المدينة المذكورة ، فاستقرت تلك العساكر المنصورة ، وذلك يوم الأحد مستهل شهر رمضان ، سنة ثمانمائة وثمان ، فبات كل من ذينك البحرين وقد ضم ذيله ، وكف عن التبذر والتبدد سيله ، وحفظ من الأغبار رجله وخيله ، وأحيى في معتكف المراقبة إلى الصباح ليله ، قلت : إلى أن بدا لمع الضيا في ظلامه * يلوح كموج الماء من سجف طحلب ولما سل الفجر صارمه الفضي ، وأبرز إبريز ترسه ، ومسح على لوح الجو ما طرسه مسود الليل من دخان نقشه ، تهيأ كل من أولئك الأطواد للاصطدام ، واشتعلت في قلوب تلك القبائل نار الحمية للاصطلاء والاصطلام ، فعبى كل عسكره ما بين ميمنة وميسرة ، ومقدمة ومؤخرة ، ثم تدانوا وتكانوا ، وتعاونوا وتعانوا ، وتراجزوا وتغانوا ، وتعانقوا وتهانوا ، وتناجزوا وتفانوا ، والتقت الرجال بالرجال والخيل بالخيل ، وارتفع ظلام القتام إلى رؤوس الأسنة ، فرأوا في صلاة الظهر نجوم الليل ، وجرى في ذلك القسطل من كل قناة عيون السيل . ثم عند منتصف النهار ، انكشف الغبار عن أن طود قندهار هار ، وسعد أولئك الكبار بار ، وعليهم غبار العثار ثار ، وخبرهم بالانكسار سار ، وصيت خليل سلطان إلى الأقطار طار ، وإلى الآفاق بالانتصار صار ، فولى بير محمد وعلى رأسه بحر الدمار مار ، وفي قلبه زناد البوار وار ، حتى كأن في قلبه جمر الغضا والغار غار ، وفي كبده نار لهيب المرخ « 1 » والعفار فار ، وجندلت رجاله ، وأبطلت أبطاله ، ونهبت أثقاله ، وتحولت أحواله ، وسبي حريمه وعبيده ، وسلب طريفه وتليده ، وتشبث هو بأذيال الهزيمة ، وعلم أن إيابه سالما نصف الغنيمة ، كما قيل شعرا :

--> ( 1 ) - المرخ : شجر سريع الاشتعال .