أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
234
عجائب المقدور في نوائب تيمور
فصل في اعتدال الزمان وأخبار خليل سلطان : ولما أخذت تيمور الصيحة بالحق فصار غثا ، وقعد خليل سلطان على التخت ، وقام الشتاء بعد أن كان جثا ، مد الشعراء ألسنتهم للزمان بالمدح ولخليل سلطان بالتهنئة ولتيمور بالرثا ، فسمع الشتاء وغنى صوته وأجاز ، ورفع عن العالم في نهوضه الكلاكل والأعجاز ، فابتهج الكون بورود الربيع ، وشكر الروض للسحاب ما أسداه اليه من حسن الصنيع ، ورفع على الروابي من الشقائق أعلامه ، ونصب مما أظهره خيام الصنع من أزهار الأشجار خيامه ، ونور الحدق بأنوار الحدائق ، واستنطق بتسبيح الخالق ، من خطباء الأطيار على منابر الأغصان في جوامع الرياض ، ما استنصب بلغاته كل ناطق ، من كل معرب في ديوان الفصاحة رائق ، ومعجب بأسرار البلاغة فائق ، فرقصت الأشجار ، لغناء الأطيار ، وصفقت الأنهار ، واعتدل الليل والنهار ، واكتسى البسيط الأغبر ، خلع السندس المزهر ، وتبدلت الأغصان من قطني الثلوج ، كل ثوب بأصباغ القدرة مزهر ، وبدمقس الأزهار منسوج ، وكل قباء صار مزهرا في كل دف أغن لكل طائر وفروج ، وبسط الكون الكون على المكان لاقدام قدوم خليل سلطان شقق الورود والريحان . فصل : ولما فرغ خليل سلطان من ذلك ، شرع في تمهيد الممالك ، وتسليك المسالك ، وعلم أنه لا يتقيد به إنسان ، إلا بقيد الاحسان ، ولا يجتمع له البال ، إلا بتفريق المال ، فعقد القلب على فك طلسمات الختوم وحل الرموز ، وصرف الموانع والتوابع عن تلك المطالب والكنوز ، وقوى العزيمة على فتح الخبايا ، وصيد عصافير القلوب ببذر حبات الهبات تحت شباك العطايا ، ففرق ما كان شتت جده في جمعه شمل البرايا ، وثقل الكواهل بتخفيف ما أثقل ظهر غيره بالمآثم والخطايا ، وأوسق أحمال الآمال ، وربوع الأطماع بالأموال ، وأمطر أيادي يمينه بالنوال ، ففاض الخير من صوب الشمال ، وملأ الأفواه والمسامع والمقل من الناس ، بما