أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
235
عجائب المقدور في نوائب تيمور
أفرغ من حواصل الكنوز والصناديق على أغتام الجند والأكياس ، فنثر أغصان الدوح عند ورود الربيع أصناف أزهاره ، فكأنه أنامل كفه المنتظمة في نثار درهمه وديناره ، وجاد السحاب بدر دره وأمطاره ، فضاهى جود جوده الهامي على العالم وأقطاره ، فقيد الناس كلهم بهذا القيد ، ونحو اصراف بذله معربين له بالإطاعة ، فترك عمرو وزيد . ذكر من أظهر العناد والمراء وتشبث بذيل المخالفة والعصيان من الأمراء والوزراء غير أن بعض تلك القواد ، وزعماء الوزراء والأجناد ، أعلن ما كان أسر ، ووضع المضمر من العصيان موضع المظهر ، فأول من شهر سيف العصيان ، وفوق سهام العدوان ، وشرع بالمخالفة الرديني ، خدايداد الحسيني ، متولي ما وراء نهر سيحان « 1 » ، وأطراف تركستان ، فوجد من كان عزم على نفض يده من عقد الطاعة ، إماما يقتدى به في البغي ومفارقة الجماعة ، لا سيما وقد كان صواغ الربيع قد أذاب بجمراته سبائك الجمد والثلوج ، ورصع بما أخرجه من ذلك ديباجة الأرض وروضات الجنات وأرياض المروج ، واستمعت أموات الحشرات صيحة الرعود بالحق ، فقالت ذلك يوم الخروج ، فاقتفى خدايداد ، في العصيان والعناد ، شيخ نور الدين ، وكان عند تيمور من المتقدمين ، وذوي الآراء والتمكين ، فانخزل جهارا ، وسار ليلا ونهارا ، فوصل إلى خدايداد ، وقوى منه الظهر والأعضاد ، وشاركه في التمرد والفساد . ثم بعده فرط نظام الطاعة شاه ملك « 2 » ، وأخذ في طريق المخالفة وهو منهمك ، وخرج من سمرقند وهو يصرخ ، وقطع جيحون ووصل إلى شاهرخ « 3 » ، وكان نظير شيخ نور الدين ، ذا رأي مكين ، وفكر
--> ( 1 ) - أراد هنا نهر سيحون لكن الصنعة فرضت كتابته سيحان ( 2 ) - كان شاه ملك من كبار قادة تيمور ، وقد سلمه الحكم العسكري لمدينة دمشق ( 3 ) - كان شاه رخ بن تيمور حاكما في هراة آنذاك