أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

217

عجائب المقدور في نوائب تيمور

عزمه الثاقب ، وأمدها من كافات كفايته بأتراس ، ولم يلتفت إلى كلام وملام ، واستكفى من الشتاء ما لبسه وأعده من كل كاف ولام ، وقال لعسكره لا تكترثوا بأمر الشتاء فإنما هو برد وسلام ، وحين اجتمعت عساكره ، والتأمت أموره وأوامره ، أمر أن يصنع له خمس مائة عجله ، وتضبب بالحديد ليحمل عليها ثقله ، فبادر الشتاء خروجه بالدخول ، وأورد بانقطاع جراية عمره من ديوان الفناء الوصول ، فبرز في شهر رجب ، وقد أصبح البرد عجبا وأي عجب ، وسار لا يرق لمرق ، ولا يرثي لجسد من البرد محترق ، فوصل في سياحته إلى سيحون وقد تجمد ، وبنى عليه رائق النسيم الصرح الممرد قلت قديما شعرا : على البحر قد عاينت جسرا ممدّدا * بناه إله العرش صرحا ممرّدا بكيت فخلت الدمع في جنباته * رقيق رحيق في زجاج تجمدا فعبره ومر ، ومضى على ذلك واستمر ، وتمادى على لجاجه وأصر ، قد مر الشتاء عليه بالدمار ، وانحط عليه من الجوانب بكل إعصار فيه نار ، وحطم جيشه بكل نكباء صرصر ، وضرب أثبات عسكره بصرة طول فيها وما قصر ، وهو بذلك الجمع الكثير يسير ، لا يرثي لأسير ولا يجبر وهن كسير ، يسابق البرد ببروده ، ويجاري الجرد بجرده ومرده ، فجال فيهم الشتاء بحرا جف عواصفه ، وبث فيهم حواصب قواصفه ، وأقام عليهم نائحات صراصره ، وحكم فيهم زعازع صنابره ، وحل بناديه ، وطفق يناديه : مهلا يا شؤوم ، ورويدا أيها الظلوم الغشوم ، فإلى متى تحرق القلوب بنارك ، وتلهب الأكباد بأوامك وأوارك ، فإن كنت أحد نفسي جهنم فإني ثاني النفسين ، ونحن شيخان اقترنا في استئصال البلاد والعباد فأنحس بقران النحسين ، وإن كنت بردت النفوس وبردت الأنفاس ، فنفحات زمهريري منك أبرد ، أو كان في جرائدك من جرد المسلمين بالعذاب فأصماهم وأصمهم ففي أيامي بعون الله ما هو أصم وأجرد ، فوالله لا حابيتك ، فخذ ما آتيتك ، وو الله لا يحميك يا شيخ من