أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
218
عجائب المقدور في نوائب تيمور
برد ريب المنون ، لواعج جمر مجمرة ولا واهج لهيب في كانون ، ثم كال عليه من حواصل الثلوج ما يقطع الحديد ، ويفك الزرد ، وأنزل عليه وعلى عساكره من سماء الزمهرير من الجبال ما فيها من برد ، وأرسل عقيبها زوابع سوافيه فحشتها في آذانهم ومآقيهم ، ودستها في خياشيمهم فاستقبلت بها نزع أرواحهم إلى تراقيهم ، وجعلت تلك الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ، وأصبحت مشارق الأرض ومغاربها من الثلوج المنقضة ، كأنها بر عرصات القيامة ، أو بحر صاغه الله من فضه ، فكانت إذا بزغت الصقعاء ولمع الصقيع تراآى شيء عجيب ، سماء من فيروزج وأرض من بلور ملأ ما بينهما شذور الذهب ، فإذا هبت فيما بين ذلك والعياذ بالله نسمة ريح ، على نسمة ذي روح ، أخمدت نفسه ، وجمدته وفرسه ، وكذلك الجمل والجمال ، حتى أتت على كل مرمق الحال ، وانتهى الشأن إلى أن طابت النار وردا ، وصارت لواردها سلاما وبردا ، وأما الشمس فإنها ارتجفت ، وجمدت عينها من البرد ونشفت ، وصارت كما قيل شعرا : يوم تودّ الشمس من برده * لو جرّت النار إلى قرصها وكان الرجل إذا تنفس جمدت أنفاسه على سباله « 1 » ولحيته ، فيصير كأنه فرعون وقد رصع لحيته بحليته ، وان لفظ من فيه نخامه عاقده ، لا تصل إلى الأرض مع ما فيها من الحرارة إلا وهي بندقة جامده ، فانكشف ستر الحياة عنهم ، وأنشد لسان حال كل منهم ، شعر : فيا رب إن البرد أصبح كالحا * وأنت بحالي عالم لا تعلم فان كنت يوما مدخلي في جهنم * ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم فهلك من عسكره الجم الغفير ، وأتى الشتاء على كثير من كبير منهم وصغير ، وشاظ منهم أنوف وآذان وسقط ، وانحل عقد نظامهم
--> ( 1 ) - أي على شعر الشاربين .