أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
213
عجائب المقدور في نوائب تيمور
حدث في غيبته ، توجه إلى الجامع لينظر إليه ، فبمجرد ما وقع نظره عليه ، أمر بمحمد جلد فألقوه على وجهه وربطوا رجليه ، ولا زالوا يجرونه ، وعلى وجهه يسحبونه ، حتى بضعوه « 1 » على تلك الحال ، واستولى على ماله من أهل وولد ومال . وأسباب ذلك متعددة ومعظمها أن الملكة الكبرى ، امرأة تيمور العظمى « 2 » أمرت ببناء مدرسه ، واتفق المعمارية وأهل الهندسة ، أن تكون في مواضع ، مقابلة لبناء هذا الجامع ، فشيدوا أركانها ، وشدوا بنيانها ، وعلوا على الجامع طبقاتها وحيطانها ، فكانت أرسخ منه تمكينا ، وأشمخ منه عرينا ، وتيمور كان نمري الطبع ، أسدي الوضع ، ما تكبر عليه رأس إلا شدخه ، ولا تجبر عليه ظهر إلا فضحه ، وكذلك كلما أضيف إليه ، أو عول في النسبة عليه ، فلما رأى قامة تلك المدرسة طالت ، وعلى قد جامعه الجبير ترفعت واستطالت ، نغل صدره غيظا واشتعل ، وفعل مع مباشر ذلك ما فعل فلم يصادفه فيما أمله سعد ، وهذه الحكاية متقدمة لما ذكره بعد . نكتة : كان هذا الجامع كصاحبه ، أحاطت أوزار الأحجار بجوانبه ، وتثاقلت على غواربه ومناكبه ، ودقت عنق طاقته عن حملها ورقت ، وتلا لسان سقفه إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ « 3 » وما أمكن تيمور الاشتغال بهدمه ثم إحكامه ، ونقض بنائه واستيفاء إبرامه ، فطوى ثوب عمارته على غره ، واستبقى خشب أخشبه على وهنه وكسره ، لكن أمر خاصته وذويه ، أن يجتمعوا ويجمعوا فيه ، واستمر ذلك في حياته وبعد وفاته ، فكان إذا اجتمع الناس فيه للصلاة ، يرتقبون من تلك الحجارة ما يهبط من خشية الله ، وصار ملك الجبال في تلك المحله ، يتلو وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ
--> ( 1 ) - أي قطعوه . ( 2 ) - كانت دلشاد آغا التي تقدم ذكرها وسوف يرد ذكرها أيضا هي الزوجة الملكة الكبرى ، ولكنها توفات سنة 806 ه / 1404 م ، لذلك يرجح أن التي قصدت هي سراي ملك خانوم ، وكان تيمور قد تزوجها بعد مقتل زوجها في 771 ه / 1370 م . ( 3 ) - سورة الرحمن - الآية : 1 .