أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

212

عجائب المقدور في نوائب تيمور

بدر عمره الأفول ، وشمس حياته أن تزول ، رشقه الزمان بسهم أصماه فما أمهله ، وناداه بلسان فصيح : فرغ العروس يا بيت الأحماء لو سمع لكان يصيح ، قلت شعرا : وما الدهر إلّا سلم فبقدر ما * يكون صعود المرء فيه هبوطه وهيهات ما فيه نزول وإنما * شروط الذي يرقى إليه سقوطه فمن صار أعلى كان أوفى تهشما * وفاء بما قامت عليه شروطه فأفاق من سكره ، وعاد إلى عسكره ، وارعوى عما اعتدى ، وعلم أنه أضل قومه وما هدى ، ورأى أنه قد فرط في أمر الرئاسة ، وحط من جانب الإيالة والسياسة ، وأنه سام الملك خسفا ، وسائس السلطنة وجد عليه مائة طريق في التقصير وألفا ، فأخذ يتدارك ما كان فرط ، ويطلب التفصي « 1 » عما فيه تورط . ذكر بعض حوادث متقدمة لمتعلقات ذلك العابث وكان تيمور قد رأى في الهند جامعا ، للبصيرة مرتعا وللبصر رائعا ، عرشه في حسن بنائه ونقشه ، من الرخام الأبيض كبساط فرشه ، فأعجبه شكله ، وأراد أن يبنى له في سمرقند مثله ، ففرز لذلك مكانا في فرز ، ورسم أن يبنى له جامع « 2 » على ذلك الطرز ، وأن يقطع له أحجار من المرمر الصلد ، وفوض أمره إلى رجل يقال له محمد جلد ، أحد أعوانه ومباشري ديوانه ، فاجتهد في بنيانه ، وتشييد أركانه ، واستقصى جهده في تحسينه ، من تأسيسه وتركيبه وترتيبه وتزيينه ، وأعلى له أربع مياذين ، وباهى فيه أئمة البنائين والأستاذين ، وظن أن لو كان على ذلك أحد غيره ، لما قدر أن يصنع صنعه ، ويسير سيره ، وأن تيمور سيشكر له صنيعه ، وينزله عنده بذلك منزلة رفيعة ، فلما آب من سفرته ، وتفقد ما

--> ( 1 ) - تفصيت : إذا تخلصت من بلية ( 2 ) - بقايا هذا المسجد الجامع ما تزال ماثلة في سمرقند إلى اليوم .