أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
159
عجائب المقدور في نوائب تيمور
فلم يلتفت تيمور إلى هذا الكلام ، وأخذ يعنف نفسه بأنواع الملام ، كيف خلص من مخاليبه أول مرة بسلام . ذكر وروده ماردين بالهيبة وصدوره عنها بعد المحاصرة بالخيبة فوصلوا يوم الاثنين عاشر شهر رمضان واردين ماء ماردين ، فنزلوا دنيسر وغدوا للحصار قاصدين ، وإذا بأهلها وقد أخلوا المدينة ، وانتقلوا إلى قلعتهم الحصينة . صفة هذه القلعة وهذه القلعة عنقاء قلتها تكبر أن تصاد ، وعرنين عانسها يأبى أن يدخل لخاطب تحت مقود انقياد ، لأنها في قلة من القلل ، على ظهر جبل ، لم يكن فرق بينه وبين قبة الأفلاك ، إلا أن تلك لا ثبات لها ، وهذا ثابت ليس به حراك ، بظهره واد بطنه أوسع من صدر الأحرار ، فيه جنات تجري من تحتها الأنهار ، وبه مطارح الزروع ، ومسارح المواشي والضروع ، وحدوده جروف لا تصل همم ذوي الكرم إلى ارجائها ، وحروف يعجز قارىء التفكر عن تعديد هجائها ، وطريقه من القلعة أو على القلعه ، والقلعة في غاية المناعة والرفعة ، والمدينة مبنية حواليها ، متشبثة بذيلها ، تأكل من فضلات نعمها ، وتشرب من فائض سيلها ، فهم بين نعمهم ونقمهم يترددون ، وفي السماء رزقهم وما يوعدون ، فأقام لمحاصرتها على مضائقها ، يسترشد إلى طرق المضايقة وطرائقها ، ولم يكن حواليها مكان للقتال ، ولا لنصب المجانيق مجال ، فعول على نقبها بالمعاول والفؤوس ، واستعان على ذلك بالمقاول والرؤوس ، وحاشا درز ذيل حشمتها وعصمتها أن يسام فتقا ، لأنها وإن كانت عذراء قد اعجزت الفحول لكونها رتقا ، فلا زالت المعول تقل ، والفطاطيس « 1 » تكل ، ومناقير الفؤوس تتعقف ، وخصور المرازب كهيف القدود تنثني وتتقصف ، قلت شعرا :
--> ( 1 ) - الفطيس : المطرقة للحدادين . العين .