أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
148
عجائب المقدور في نوائب تيمور
ذكر ما صنعه بعض الأكياس من الناس خوفا من أن يحل به الباس ووقى بنفائسه النفوس والأنفاس وكان في صفد ، تاجر من أهل البلد ، أحد الرؤساء والتجار ، يدعى علاء الدين ، وينسب إلى دوادار ، كأنه تقدمت له خدمة على السلطان ، فولاه حجوبية ذلك المكان ، فلما توجه النواب إلى حلب ، والعادة أن ينوب عن نائب البلدة في غيبته من حجب ، ناب عن نائبها التونبغا العثماني ، وحاجبها علاء الدين الدواداري ، فغرق في أسر ذلك الطوفان ، كل النواب ومن جملتهم العثماني ، وابن الطحان ، ومات منهم من مات ، وفر من فر ، واستمر في قيد الأسر ألتونبغا وعمر ، فلما تقدم تيمور الشام ، وحل بها منه ، ما يحل من قضاة السوء بأموال الأيتام ، شرع كل متول في بلاد ، يفعل ما أدى اليه الاجتهاد ، فبعض حصن أماكنه ، وبعض مكن كمائنه ، وطائفة استنجزت للنفار ، وفرقة استوفزت للفرار ، وقوم سالموا وساكنوا ، وهادوا وهادنوا ، ففكر علاء الدين المذكور وقدر ، وتأمل في خلاص صاحبه وبلده وتبصر ، وكان من أبناء الناس ، وعنده ذوق الأكياس ، واستشار مصيب عقله في ذلك واستنطقه ، فقال : داره بما معك من مال ، واترك سرب الفرار ونفقه ، وما كذبه إذ قال كل مداراة عن العرض ستر له وصدقه ، وكان ذا مال ممدود ، فقال ما ادخرت الدنانير الصفر ، والدراهم البيض إلا للأيام السود ، فطلب من تيمور الرياضه « 1 » ، وأراد أن يجس أولا بمجاملته مخاضه ، فعالج هذا الأمر علاج النطس المريض ، وبادر بالمهادنة ، وحال الجريض ، دون القريض « 2 » ، وأرسل إلى تيمور أجناسا من ماله الطويل العريض ، واستمال خاطره ، واستدعى أوامره ، ثم أردفها بأضعافها ، وأضعف خواصرها بأردافها .
--> ( 1 ) - أي طلب منه مهلة من الوقت . ( 2 ) - الجريض : الريق ، خاصة الذي يبلع من ألم أو هم ، والقريض : الشعر ولا سيما شعر الطرب ، والذي قصده هو : حال الألم دون الطرب .