أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

147

عجائب المقدور في نوائب تيمور

من جبال النكال قصورا شواهق ، وينشؤون على حدائق ذاته ، من سماء العذاب سحاب عقاب ، ترعد عليه صواعق ، وتبرق له من الدمار والبوار بوارق . فصل : ثم إنه صار في هذه المدة ، يحاصر القلعة ، ويعد لها ما استطاع من عدة ، وأمر أن يبنى مقابلتها بناء يعلوها ، ليصعدوا عليه فيهدوها ، فجمعوا الأخشاب والأحطاب وعبوها ، وصبوا فوقها الأحجار والتراب ودكوها ، وذلك من جهة الشمال والغرب ، ثم علوا عليه وناوشوها الطعن والضرب ، وفوض أمر الحصار ، لأمير من أمرائه الكبار ، يدعى جهان شاه ، فتكفل بذلك وعاناه ، ونصب عليها المجانيق ، ونقب تحتها ، وعلقها بالتعاليق ، وكان فيها من المقاتلة ، فئة غير طائله ، أمثلهم شهاب الدين الزردكاش الدمشقي ، وشهاب الدين أحمد الزردكاش الحلبي ، فأبليا في عسكره بلاء حسنا ، وكانا على جيشه كلما فاء إلى فنائهم وباء مصيبة وفنا ، فأهلكا من جيشه بالإحراق ، وإرعاد المدافع والإبراق ، ما فات العد ، وتبدد عن دائرة الحد ، ولكنه لما أحاط بها من بحار تخريبه سيل عرم سائلها ، وأمطر عليها من سهام غمام رماته ، وصواعق بوارق كماته ، صيب وابلها ، أتاها العذاب من فوقها ومن تحتها ، وعن أيمانها وعن شمائلها ، وكلت عن المجابذة والمنابذة أيدي مقاتليها فطلبوا الأمان ، ونزلوا إليه من غير توان ، وكل هذا الأمر المهول والقضاء العجب ، أواخر شهر ربيع الآخر ، وجمادين وشهر رجب ، ولكن ما نال من القلعة روما إلا بعد محاصرتها ثلاثة وأربعين يوما « 1 » ، وصار في هذه المدة يتطلب الأفاضل ، وأصحاب الحرف والصنائع وأرباب الفضائل ، ونسج الحريريون له قباء بالحرير والذهب ، ليس درز فإذا هو شي عجب ، وبنى في مقابر الباب الصغير قبتين متلاصقتين ، على تربة زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمر بجمع العبيد الزنج ، واعتنى بجمعهم أكثر من غيرهم وقدم .

--> ( 1 ) - لمزيد من التفاصيل انظر نزهة النفوس والأبدان للصيرفي ج 2 ص 88 - 97 .