أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
145
عجائب المقدور في نوائب تيمور
ومنها انه سألهم كناية ، سؤال إضرار ونكاية ، فقال : ما أعلى الرتب ، درجة العلم أو درجة النسب : فأدركوا قصده وفهموا ، ولكن عن رد الجواب وجموا ، وعلم كل منهم أنه قد ابتلي ، فابتدر بالجواب القاضي شمس الدين النابلسي الحنبلي وقال : درجة العلم أعلى من درجة النسب : ومرتبتها عند الخالق والمخلوق أسنى الرتب ، والهجين الفاصل يقدم على الهجان الجاهل ، والمقرف « 1 » المنيف ، أولى للإمامة من السيد الشريف ، والدليل في هذا جلي ، وهو إجماع الصحابة على تقديم أبي بكر على علي ، وقد اجمعوا على أن أبا بكر أعلمهم ، واثبتهم قدما في الاسلام وأقدمهم ، واثبات هذه الدلالة ، من قول صاحب الرسالة : « لا تجتمع أمتي على ضلالة » ثم أخذ في نزع ثيابه مصيخا لتيمور ، وما يصدر من جوابه ، ففكك أزراره ، وقال لنفسه : إنما أنت عارة وكأس الموت لا بد من شربها ، فسواء ما بين بعدها وقربها ، والموت على الشهادة ، من أفضل العبادة ، وأحسن أحوالها لمن اعتقد أنه إلى الله صائر ، كلمة حق عند سلطان جائر ، فسأل ما يفعل ، هذا المهمل ، فقال : يا مولانا الجليل ، إن فرق عساكرك كأمم بني إسرائيل ، وفيهم من ابتدعوا بدعا ، وتقطعوا في مذاهبهم قطعا ، وفرقوا دينهم ، وكانوا شيعا ، ولا شك أن مجالس حضرتك تنقل ، وعقائل مباحثها تحل الصدور فتعقل ، وإذا ثبت هذا الكلام عني ، ووعاه أحد غير سني ، خصوصا من ادعى موالاة علي ، ويسمى في رفضه أبا بكر بالرافضي ، وتحقق مني يقيني ، وأنه لا ناصر لي يقيني ، فإنه يقتلني جهارا ، ويريق دمي نهارا ، وإذا كان كذلك ، فأنا استعد لهذه السعادة ، واختم أحكام القضاء بالشهادة ، فقال : لله هذا ما افصحه ، واجرأه في الكلام وأوقحه ، ثم نظر إلى القوم ، وقال لا يدخلن هذا علي بعد اليوم . فصل : وهذا الرجل ، أعني عبد الجبار ، كان عالم تيمور وإمامه ، وممن يخوض في دماء المسلمين أمامه ، وكان عالما فاضلا ، فقيها كاملا ، بحاثا
--> ( 1 ) - المقرف : الهجين . العين .