أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

132

عجائب المقدور في نوائب تيمور

الأماكن القدسية ، وتوجه بعض إلى الديار المصرية ، وبعض تشبث بأذيال الجروف العاصيه ، وتحصن آخرون بالأماكن الغامضة القاصية . ذكر خروج السلطان الملك الناصر من القاهرة بجنود الاسلام والعساكر ثم إن السلطان ، خرج من غير توان ، وتوجه بالعساكر والاستعداد التام ، إلى جهة بلاد الشام ، فلما بلغ الناس ذلك سكن جأشهم ، وزال استيحاشهم ، ورد غالب من كان برح منهم ، وانفرج الكرب والضيق عنهم ، وأما أولوا العزم ، وذووا الرأي السديد والحزم ، فلم يلتفتوا إلى قدوم السلطان ، بل طلبوا لنفسهم الأمان ، وانتظروا ما يتولد من حادثات الزمان ، وكأن أنامل الدهر الدائر ، كتبت لهم على مرآة الخاطر ما أنشده الشاعر ، شعرا : ألا إنما الأيام أبناء واحد * وهذي الليالي كلها أخوات فلا تطلبن من عند يوم وليله * خلاف الذي مرت به السنون وقلت شعرا : إن اختفى ما في الزمان الآتي * فقس على الماضي من الأوقات فصل : ولما نجّز تيمور أمر حلب ، ضبط أثقالها وما أخذ منها من مال وسلب ، ووضعه في القلعه ، ووكل بعض أمرائه من ذوي الشجاعة والمنعة ، وهو الأمير موسى بن حاجي طغاي ، وكان ذا عزم شديد ورأي ، وتوجه بذلك البحر الطام ، غرة شهر ربيع الآخر إلى جهة الشام ، فوصل إلى حماه ، ونهب ما حوت يداه ، ولم يحتفل بأمر نهب وأسير ، ولا باسراع في مسير ، بل سار رويدا ، وهو يكيد كيدا ، وهم يَكِيدُونَ كَيْداً « 1 » .

--> ( 1 ) - سورة الطارق - الآية : 15 .