أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
105
عجائب المقدور في نوائب تيمور
فكن حديثا حسنا ذكره * فإنما الناس أحاديث وأنت إن كنت تسلطت على الخلق ، فقد عدلت أيضا ، ولكن عن الحق ، ورعيت ولكن أموالهم وزروعهم ، وحميت ، ولكن بالنار قلوبهم وضلوعهم ، وأسست ولكن قواعد الفتن ، وسرت ولكن على سير إماتة السنن ، ومع هذا فلو عرجت إلى السبع الشداد ، ما بلغت منزلة فرعون وشداد ، ولو رفعت قصورك على شوامخ الأطواد ، ما ضاهت إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ « 1 » فانظر لمن نهى وأمر ، ثم مضى وغبر ، ولا تكن ممن طغى وفجر ، و تَوَلَّى وَكَفَرَ « 2 » وأقنع بهذا الخطاب ، عن الجواب ، واعط القوس باريها ، واترك الدار لبانيها ، وتولى الله ورسوله والذين آمنوا ، وإلا فأنت إذا ممن تولى في الأرض ليفسد فيها ، فإني إذ ذاك أمشي عليك ، وأضرب على يديك ، وأمنعك من السعي في الفساد بأن أسوي بين رجليك ، مع قلة آداب كثيرة ، وعبارات ذنوبها كبيرة . فلما وقف تيمور على هذا الكتاب ، وجه إلى تبريز عنان الركاب ، وكان عند أميران شاه من المعتدين ، جماعة سعوا في الأرض مفسدين ، منهم قطب الموصلي أعجوبة الزمان الدوار ، وأستاذ الموسيقى والأدوار ، إذا استنطق اليراعه ، أسكت أهل البراعه ، وإذا وضع الناي بفيه ، سحق عود إسحاق وأبيه ، وإن أخذ في الأغاني ، أغنى عن الغواني ، تقول النفس لنفسه الزخيم : خفف عني أنيني ، فتشير براعته بالإصبع وتقول على عيني ، ثم ينفخ فيها الروح ، فيشفي كل قلب مجروح ، ويداوي كل فؤاد مقروح ، فإن أقامت قامتها الرشيقة راقصة في سماعها ، يحني الجنك ظهره خاضعا لطيب استماعها ، وان فتحت فاها لتقري أسماع القلوب ألحانه ، يميل العود عنقه مصغيا إليها عاركا بأنامل الأدب آذانه ، قيل إنه كان يؤدي جميع الأنغام الفروع والمركبات والشعب والأصول ، من كل
--> ( 1 ) - سورة الفجر - الآيتان : 7 - 8 ( 2 ) - سورة الغاشية - الآية : 23