أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

99

عجائب المقدور في نوائب تيمور

أوديتها سيول ، وخرج عليهم الكمين ، من ذات الشمال وذات اليمين ، فأبادوا سائرهم ، وألحقوا بأولهم آخرهم . وقيل إن بلاد الهند ليس فيها أباعر ، وإن منظرها يجفل الفيل فيصير أبعد نافرا ، فأمر تيمور أن يهيأ خمس مائة بعير جفول ، وتعبأ رواحلها والحمول ، قصبا محشوا بفتائل ، وقطن بالدهن مبلول ، وأن تساق أمام الركبان ، إلى أن يتراءى الجمعان ، فلما تصافوا ولم يبق إلا القتال ، أمر أن تطلق النيران في تلك الحشايا والأحمال ، وتساق إلى جهة الأفيال ، فلما أحس البعران ، بحرارة النيران ، رغت ورقصت ، ونحو الفيول شخصت ، وصارت كما قيل شعرا : كأنك من جمال بني أقيش « 1 » * يقعقع بين رجليه بشن فلما رأت الفيلة النيران ، وسمعت رغاء البعران ، ونظرت إلى الإبل كيف خلقت ، وشاهدتها ، وقد غنت ورقصت ، وبأخفافها صفقت ، ألوت على عقبها ناكصه ، وتلا الكافرون آية النصر على أصحاب الفيل ، وأرسلوا عليهم من السهام طيرا أبابيل ، فلم ينتفعوا بالأفيال ، بل أفنت الأفيال غالب الخيل والرجال ، ثم تراجعت عساكر الهنود ، وأبطال الخيالة من الجنود ، وكتبوا الكتائب ، وبندوا البنود ، ثم تراموا وتصافوا ، وتضامنوا وتحافوا « 2 » ، وهم ما بين مجوسي ومسلم ، ومبارز ومنتسب مناد بالشعار معلم ، وكل في سواد اللون من الحديد ، كقطع الليل المظلم ، ثم تدانوا مع التتار وتزاحفوا ، وبعد المراشقة بالسهام بالرماح تثاقفوا ، ثم بالسيوف تضاربوا ، ثم تلاببوا وتواثبوا ، ثم تراموا عن ظهور الخيل ، واعتكر في ذلك القتام النهار بالليل ، ولا زالت تختلف بينهم

--> ( 1 ) - كان أقيش أبوحي من قبيلة عكل ، اشتهر بجمال له غير عتاق ، تنفر من كل شيء ، القاموس باب الشين ، فصل الهمزة . ( 2 ) - حف القوم بسيدهم : أي أطافوا به وعكفوا ، ومنه قوله تعالى حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ العين