الشهيدة بنت الهدى

220

المجموعة القصصية الكاملة

نفسها عواطف الأمومة فخيّل لها أن الشوق أو الندم هو الذي دفع ابنتها إلى الحضور ، ونهضت نحوها في لهفة ومدّت نحوها يدها تريد أن تضمها بها إلى صدرها لتطفىء في فؤادها هذا الأوار الملتهب من الحنين والحرمان ، ولكن بشرى جلست على كرسي هناك دون أن ترمي بنفسها على صدر هذه الأم المسكينة وقالت وكأنها لم تفارق أمها إلا صباح الأمس : لقد طردني من بيته أخيراً وكأنني سلعة رخيصة يحاول أن يستبدل بها غيرها ، فشاعت على وجه الأم صفرة قاتمة وقالت في لهفة : طردك من بيته ولكن كيف ومتى ؟ قالت : أنك تعلمين كم هو سافل ماجن يا أماه ، وقد أصبح في الأشهر الأخيرة قلما يعود إلى البيت قبل الساعات الأخيرة من الليل ، وما عاد في ليلة إلا ورائحة الخمرة تفوح من ثيابه فيرتمي على الفراش وهو كأنقاض رجل ، وأنا ومع كل هذا صابرة وكلما حاولت أن أشير إلى الموضوع كان يبادرني قائلًا : ألم نتفق مسبقاً أننا ينبغي أن نكون أحراراً وأن لا نعيش القيود التي تفرضها الأفكار الرجعية على طبيعة العلاقة الزوجية ؟ ولم يكن يسعني أمام هذا الكلام إلا أن أسكت وأحاول إقناع نفسي وتعويضها عن هذا الحرمان بما لديّ من حرية مماثلة لحريته ، ولكن الأمر تفاقم أكثر وأصبح يبتز أموالي وراتبي ويحرمني حق التصرف في شؤون بيتي وأخيراً طردني أمس وفي ساعة متأخرة من الليل وقال أنه لم يعد يطيق قيود الزوجية . وقد جلست في حديقة البيت حتى أشرق الصباح وها أنا جئت