أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
293
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
« بسم الله الرحمن الرحيم عزيزي المعظّم وولدي المرجى [ . . . ] حفظك الله ورعاك بعينه التي لا تنام ، وجمع شملي بك وأقرّ عيني بلقياك بعد طول فراق . السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد ، فقد تسلّمتُ قبل بضع ساعات وبعد طول انتظار رسالة ذلك الولد البار وفيها نفحاتك وبرّك بأبيك وآيات الوفاء والإخلاص والاستقامة ، ففرحتُ بها كثيراً وقرأتها مراراً لكي تعوّض بقدرها عن تلك اللقاءات الحبيبة التي كنت أعيشها معكم في ليالي هذا الشعر المبارك . والحقيقة أنّ تبادل الرسائل - خصوصاً في حالة عدم إمكان تبادل الزيارات بين الأب وأبنائه - له آثار وفوائد عاطفيّة وروحيّة وموضوعيّة كثيرة ، ويملأ جملةً من الفراغات التي تنشأ من تشتّت العائلة الواحدة وتمزّقها من الناحية المكانيّة . بالنسبة إلى سفركم إلى العراق ، قد عاش أحبّتك هنا أمل لقائك على هذا الأساس برهةً من الزمن ، وكنّا بانتظار تلك اللحظة التي تجمعنا بك أيّها العزيز بعد هذا الفراق المرير ، ولكن لم يقدّر ذلك حتّى الآن . وأرجو أن لا تتركوا المحاولة بأيّ صورة ، لأنّ اللقاء مفيدٌ جدّاً ، مضافاً إلى مضمونه العاطفي والروحي الكبير . ( . . . . . . . . ) « 1 » ومنها أنّ ما لاحظتموه على أبيكم من أنّ أفكاره بشأن هذه القضيّة نشأت من وضع معيّن في الأعصاب كان ظاهراً في أنّكم تفسّرون هذه الأفكار بما استولى عليَّ خلال هذه المدّة من قلق ومخاوف ، وإنّي أرجو لتتّضح الصورة الواقعيّة لأبيكم الذي فارقتموه خلال هذه الفترة أن تسألوا ممّن عاصره وواكبه فيها كالسيّد الأردبيلي « 2 » والسيّد أبي أحمد الثاني « 3 » لتتأكّدوا من أنّ أباكم لم يكن ذلك الإنسان الذي يسرع إليه الوهم ويسيطر عليه القلق ويفقده الخوف تفكيره ، بل كنت طيلة المحنة ذلك الإنسان المطمئن الذي يثبت على رغم الزعازع ومارس حياته مع الناس بكلّ هدوء في أشدّ الصعوبات ، وأكّد على مواجهة المحنة بكلّ شجاعة ، اسألوا يا ولدي ممّن كان حولي ليحدّثوك . ( . . . . . ) وأمّا ما استوحيتموه من رسالتي من حالة القلق فليس ذلك قلق الأعصاب المنهارة بسبب الآغايون « 4 » ، بل الأعصاب المتعبة بالتفكير في الهموم الداخليّة وكيفيّة علاجها بنحو يحفظ مجموع المصالح الدينيّة . والحقيقة أنّ القلق العاطفي والوضع النفسي الخاص الذي تحسّونه في رسالتي ليس مردّه إلى التأثّر بالمخاوف ، بل إلى التعلّق العاطفي بعشيرة البروجرديّين « 5 » نفسها وكونها عزيزة عليّ من الناحية العاطفيّة وفيها عددٌ كثير ممّن يدخل في أعماق قلبي . إنّ هذا التعلّق العاطفي هو الذي أوجب التأرجح النفسي والقلق العاطفي لأبيك ، ولولا ذلك لكانت الأفكار والرؤية واضحة في نظري ، لأنّي كنتُ ولا أزال أؤمن بلزوم الانفصال بين المرجعيّة الواعية والعشيرة ولزوم اللقاء في نفس الوقت في إطار اعتراف العشيرة بالإمامة الفكريّة والتشريعيّة والنيابة عن الإمام للمرجعيّة الصالحة ، واعتراف المرجعيّة الصالحة بأنّ
--> ( 1 ) ما بين ( . . . ) مقاطع يتحفّظ صاحب الرسالة على نشرها ( 2 ) يقصد السيّد عبد الغني الأردبيلي ( رحمة الله ) ( 3 ) يقصد السيّد محمّد علي الحائري ( رحمة الله ) ( 4 ) يقصد علماء الحوزة عموماً ( 5 ) يقصد حزب الدعوة الإسلاميّة .