أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

20

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

الفصل بين جهاز المرجعيّة وبين العمل الحزبي في هذه الفترة أبرز السيّد الصدر ( رحمة الله ) رأيه في ضرورة الفصل بين جهاز المرجعيّة وبين العمل الحزبي « 1 » ، ثمّ في مرحلة لاحقة - سنة 1394 ه - - بيّن هذا الرأي بصيغة سؤال وجواب مكتوبين ، ولهذا فالخطوة قد تمّ إنجازها على مرحلتين « 2 » . ففي أوائل أو أوخر هذا العام « 3 » ، قام السيّد الصدر ( رحمة الله ) بطرح موضوعٍ حسّاس ومهمٍّ حول العلاقة بين الحوزة العلميّة وبين التنظيم الخاص الذي كان يوليه حينذاك رعاية خاصّة ، وكان هذا الطرح في المجلس الاستشاري الخاص به . وكانت تصوّرات السيّد الصدر ( رحمة الله ) تقوم على أساس أنّ الحوزة بتشكيلاتها وتنظيماتها تمثّل القيادة الأساسيّة للعمل‌الإسلامي ، ولا بدّ لهذه الحوزة من أن تكون مستقلّة عن العمل المنظّم الخاص . وقد تمّ بحث هذا الموضوع في عدّة اجتماعات ، وكان يوجد اتّجاهان في المجلس : أحدهما : كان يتبنّى ضرورة إبقاء المجال مفتوحاً أمام العمل المنظّم الخاص ليمارس نشاطه في الحوزة استناداً إلى أنّ هذا هو السبيل الطبيعي المتيسّر أمامنا لتوعية طلبة الحوزة العلميّة على العمل السياسي وحمل همومه . ومن دون ذلك فسوف ينخفض هذا الوعي في الأوساط الحوزيّة ، خاصّةً في دائرة الطلبة الجدد الذين لا يخضعون لضوابط أو توعية في الحوزة ، ويتعرّضون عادةً إلى الضغوط الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة في الحوزة ، بحيث قد يتعرّضون إلى العزلة أو الانكفاء على الذات أو ترك الهموم السياسيّة . هذا مضافاً إلى أنّ فصل الارتباط العضوي قد يؤدّي بالعمل المنظّم الخاص إلى الانحراف والابتعاد تدريجيّاً عن المرجعيّة الرشيدة الصالحة وتأثيرها فيه ، لأنّ وجود العلاقة العضويّة بين الطلبة والعلماء والعمل المنظّم الخاص سوف يسمح بشكلٍ طبيعيٍّ بوجود التأثير المتبادل بين الحوزة والعمل المنّظم الخاص . ثانيهما : الاتّجاه الذي كان يرى ضرورة فصل الحوزة عن هذا العمل باعتبار وجود المحور الصالح وأطروحة المرجع الواعي المتمثّلة بالسيّد الصدر ( رحمة الله ) وحوزته ، فهو يمكن أن يكون مصدر الهداية والتوعية في هذا المجال ، وباعتبار الإيمان الفعلي للعمل المنظّم الخاص بمرجعيّة السيّد الصدر ( رحمة الله ) على مستوى الواقع العملي من ناحية ، وباعتبار وجود الأجهزة النامية للمرجعيّة التي يمكنها أن تمارس التوعية في أوساط الحوزة العلميّة من ناحية أخرى . هذا مضافاً إلى أنّ ضرورة استقلال الحوزة تنبع من موقعها القيادي في الأمّة الذي يفرض هذا الاستقلال ، لأنّه هو الذي يمكّنها من التأثير في الأمّة من خلال هذا الموقع بعيداً عن الشبهات ، مع ضرورة ممارسة التوعية في الحوزة وانطلاقاً من‌المراكز الحوزيّة الأصيلة .

--> ( 1 ) شهيد الأمّة وشاهدها 48 : 2 ( 2 ) أكّد لي ذلك السيّد علي أكبر الحائري ؛ وانظر : محمّد باقر الصدر . . حياة حافلة . . فكرٌ خلّاق : 125 ، نقلًا عن الشيخ عبد الحليم الزهيري ( 3 ) ذكر السيّد الحائري أنّ ذلك كان أوائل العام ( مقدّمة مباحث الأصول : 101 ) ، فيما ذكر السيّد محمّد باقر الحكيم ( رحمة الله ) أنّ ذلك كان أواخره ( نظريّة العمل السياسي عند الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر : 258 ) .