أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

74

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

من أبنائها ، والواعون في عرف هذا التخطيط هم أولئك الفاهمون بأحوال الإسلام المستوعبون لمصادره ، القادرون على الرجوع إليها لتأصيل الأصول وتفريع الفروع مع إخلاص شديد وورع وتقوى . هذه الطليعة اتّخذت مركز المسؤوليّة ومستوى القيادة وأصبحت هي الأمينة على هذا الصراط الغالي منذ انتهى عهد النيابة الخاصّة وخلا الميدان من القائد المباشر . وهذا التخطيط الذي طبّق منذ انتهت السفارة الخاصّة هو الذي أنشأ هذه الذهنيّة وهذا الارتكاز الذي تعيشه الأمّة خلال هذه القرون . إنّ الحوزة باعتبارها هي الطليعة التي تضطلع بمسؤوليّات الأمانة والرسالة هي الواجهة وهي المعبّرة وهي التي تملك قيادة هذه الأمّة والتصرّف وفقاً لمتطلّبات الرسالة وحاجات الدعوة الدينيّة . إذاً وجود هذا الارتكاز خيّر وناتج عن تخطيط خيّر أصيل من قبل القائد ( ع ) ، هذا الارتكاز يجعلنا نواجه أمراً مرحليّاً وهو أنّ للحوزة تأثيراً كبيراً في مجال التوعية ، أنّ هذا الامتثال الصارم الناتج عن التخطيط الصالح يعطي للحوزة أهميّة كبرى في توجيه الأمّة على الصعيد الإسلامي ويعطيها الصفة الشرعيّة الوحيدة ، وهذا الواقع يجعل الإنسان غير قادر على أن يعرف الإسلام تعريفاً رساليّاً كاملًا ما لم يكتب أداة الحوزة وما لم يدخل هذا التعريف الرسالي الكامل في إطار الحوزة لن تتمتّع بذلك المنصب القيادي من الناحية الدينيّة والإسلاميّة . وإنّي قد استحضرت الآن هذه القصّة في أيّام معركة التأميم في إيران حينما كان هناك صراع بين الحكومة الإيرانيّة وأنصارها في الداخل من ناحية وبين شركة النفط الإنجليزيّة التي كانت تملك حقّ الاستثمار ، سمعت في ذلك الوقت أنّه استفتي أحد المراجع الكبار في هذه القصّة عن جهة هذا النفط العسيرة وموقف الإسلام منها فكتب في الجواب : إنّي لا أعرف شيئاً من مثل هذا الموضوع إلّا أنّ المعدن عليه الخمس والنفط معدن . انظروا إلى هذا الموقف ! وهذا الموقف المتهرّب حينما يصدر من الجهة التي تضطلع بمسؤوليّة القيادة ، والتعبير عن الإسلام ماذا ترون ؟ وماذا تعطي من مفهوم عن هذه الرسالة وعن أبعادها وعن امتدادها وعن صمودها . من هنا نعرف أنّ المفهوم المعطى من الحوزة عن الإسلام هو القوّة التي تتغلغل في الأمّة وهي الخطط الشرعيّة للإسلام في نظر الأمّة ، فلكي يعطى المفهوم الرسالي الشامل الصحيح عن الإسلام يجب التوصّل عن طريق الحوزة لإعطاء هذا المفهوم وتعميمه ومدّه بالصفة الشرعيّة المعقولة . ولكي تكون الحوزة على مستوى عطاء هذا المفهوم وعلى مستوى الدعاية له وتنبيه العمل في سبيله بشكل واع لا بدّ من توعية هذه الحوزة والعمل في سبيل إنشائها إنشاءً واعياً شاعراً بالأهداف والمسؤوليّة والملابسات والظروف ، وهذا كلّه ما لا يتأتّى بالطليعة الصالحة بالحوزة ، ما لم تدخل إلى العمل من أبوابه الطبيعيّة ، ما لم تدخل إلى العمل من هذه الأبواب وتكسب القدرة من داخل الحوزة على إنشاء الحوزة إنشاءً يتطلّبه هذا الواقع وتتطلّبه حاجة الرسالة إلى حوزة واعية تعطي مفهوم الرساليّة للإسلام مرّةً أخرى . أريد أن أقول : سمعت أنّ شخصاً من كبار المساهمين في معركة التأميم في إيران عندما صمّم أن يدخل هذه المعركة في أن يستشير الإسلام في ذلك لأنّه على قدر كبير من التقوى والورع . أمّا كيف يستشير الإسلام ؟ ! هل يستشير الإسلام بالرجوع إلى مصادره الأساسيّة بالرجوع إلى الكتاب والسنّة ، أو بالرجوع إلى الحوزة المعبّرة عن الكتاب والسنّة ؟ ! لا ، فإنّ الحوزة التي كانت تعطي المفهوم المنطلق عن الإسلام لم تكن تعطي في ذهن هذا الرجل ذلك المفهوم الرسالي عن الإسلام لكي يرجع إلى الإسلام بوصفه رسالة شاملة كاملة ويفكّر في هذه الرسالة لتحلّ له هذه المشكلة التي يحاول أن يتبنّاها ، وإنّما الطريقة التي استوحاها من عقليّته الدينيّة ومن دعاماته العاطفيّة الناتجة من عدم صلته بالحوزة ، الطريقة التي استوحاها