أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
73
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
في الفقه صورة ، هذه الصورة تكون على مستوى العالم الحديث . ولا أقصد أنّها على مستوى العالم الحديث من أنّها على مستوى اللغة والتعبير أو في الطبع على الورق الأبيض أو بمطابع الحروف ، بل أقصد بذلك أنّها على مستوى حاجات هذا العالم على مستوى ما يتطلّبه حلّ مشاكل هذا العالم ، على مستوى القضايا الكثيرة المطروحة أمام الإنسانيّة اليوم والتي عالجتها المذاهب البشريّة الفاسدة بعلاجات مختلفة متناقضة . أتعلمون كم كان صعباً وكم أحسست بالصعوبة حينما حاولت أن أستخلص النظام الاقتصادي في الإسلام من الفقه الإسلامي . حينما بدأت هذه المحاولة رأيت أنّ الفقه الإسلامي بحاجة إلى عمليّة توسيع أفقي ، وأمّا الفراغات الكثيرة الكثيرة التي تركها الفقهاء بسبب اتّباعهم النهج المحدّد الموروث الذي لا يزيد ولا ينقص تلك الفراغات التي تركوها بسبب اتّباعهم منهجاً تقليديّاً محدّداً ، هذه الفراغات لا بدّ أن تملأ فقهيّاً ، وملؤها فقهيّاً عمل صعب عسير جدّاً لأنّها مناطق جديدة يجب أن تغذّى بالفكر الفقهي ، لأنّها أراض بكر لم يحاول ولم يمارس قبل الآن ، أراض يدخلها الباحث الفقهي ويكتشفها لأوّل مرّة ، وهذا يزيد من الصعوبة والخطورة ويجعل من صرف ممارسة هذا العمل وجود ذهنيّة فقهيّة في درجة عالية من الدقّة ، أو أنّ الشخص أو الأشخاص الذين يستطيعون أن يقوموا بالتوسيع الأفقي للعمل الفقهي هم أولئك الذين بلغوا الذروة في التطوّر الفكري بلغوا الذروة بالامتداد العمودي . هؤلاء الذين بلغوا الذروة في التطوّر الفكري في الامتداد العمودي الفكري هؤلاء هم الذين يمكنهم على مرّ الزمن أن يطوّروا ، أن يوسّعوا أفقيّاً ، وتكون التوسعة أفقيّاً بنفس الدرجة من العمق والدقّة تتمتّع بنفس الضمانات التي تمتّع بها الفقه في حدوده التقليديّة . لو كنتم أيّها الإخوة تقرأون ما يكتبه الكتّاب المصريّون الذين يحاولون أن يدخلوا في معركة حماية الإسلام والدفاع عنه أو تعريفه للعالم دون أن يتوغّلوا في النظريّة ، لو كنتم تقرأون نماذج ممّا يكتبون عن محاولاتهم بالتوسيع الأفقي للفقه ، التوسيع الكمّي للفقه لشعرتم بالهزالة لشعرتم أنّ هذا مردّه إلى أنّه لم يتهيّأ لهم من الامتداد العمودي بالعقليّة الفقهيّة ما يجعلهم قادرين على التوسيع الأفقي في هذه العقليّة . والأمر الثاني يحتّم علينا في موقفنا الإسلامي أن نتمسّك بمبدأ ضرورة البحث والتوغّل على الصعيد الفقهي إلى أبعد مدىً ممكن . هذا الأمر الثاني هو أن نكتسب عن طريق هذا التوغّل والتعمّق في البحث الفقهي ، الطرق الشرعيّة لتمثيل الرسالة التي ندعو إليها ونريد أن نمارس توعية كاملة على أساسها . وهنا ننظر إلى البحث الفقهي بوصفه أداة لاكتساب قوّة اجتماعيّة قادرة على أن تنزل إلى معترك التوعية وتشارك في تحقيق الأهداف الكبرى . فالأمّة لا تزال تدين في بنائها الديني والروحي وتحثّها إليها « 1 » بالتبعيّة للحوزة التي تعتبر هي الوريث الشرعي لهذا الفقه الذي نحن بصدده . فالحوزة هي واجهة الإسلام في نظر الأمّة وهي المعبّر الشرعي عن هذا الإسلام وأحكامه ومفاهيمه وحلوله لمشاكل الحياة ، وهذه النظرة من الأمّة إلى الحوزةليست أمراً تلقائيّاً أو مدسوساً أو مصطنعاً ، وإنّما هي جزء من التخطيط الواعي الذي وضعه سيّدنا صاحب العصر ( ع ) حينما أنهى عهد النيابة الخاصّة واستبدل ذلك بالنيابة العامّة وكان معنى الاستبدال بالنيابة العامّة جعل الطليعة الواعية المتفاعلة مع الإسلام فكريّاً وروحيّاً وعاطفيّاً جعل هذه الطليعة الواعية العاملة العادلة هي المسؤولة عن حماية الرسالة ، وهي المؤتمنة على هذه الأمانة الغالبة التي اضطرّ سيّدنا القائم ( ع ) أن يغادرها إلى غيبة قد تطول . وهذا أمر طبيعي ، فإنّ كلّ رسالة عقائديّة إذا خلا ميدانها من قادتها ومؤسّسيها أصبحت بذمّة الواعين
--> ( 1 ) غير واضح لنا .