أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
72
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
بحضارات مزيّفة يلتفت يمنة ويسرة ليحصل على هذا المنقذ . ولكنّ حماة همزة الوصل التي يجب أن تتوفّر بين الإسلام والعالم لكي تكسب النظر العالمي وتكسب نظر الأمّة الإسلاميّة بالذات إلى رسالتها الكبرى . وهذه الهمزة غير متوفّرة حتّى الآن توفّراً كاملًا ، وعدم توفّرها يعنى أنّ الإسلام كشريعة سوف يبقى على الرفّ بكلّ اختباراته وطاقاته وإمكاناته الهائلة ، وأنّ العالم مريض منحدر إلى الهاوية سوف يبقى ينحدر وهو يلتفت ، ولا يجد من ينقذه وأنّ الأمّة الإسلاميّة جزء من هذا العالم المنحدر وستظلّ تواكب هذا الانحدار دون أن تجد من الإسلام الخيط الذي يمكنها أن تتمسّك به لينتهي بها إليه ، إنّ هذا الخيط إنّ همزة الوصل بين الإسلام والعالم ، أو بين الإسلام والأمّة هو الواجهة العلميّة للإسلام ، هي المرآة التي تعكس الإسلام للأمّة ، ما هي هذه المرآةالتي تعكس الإسلام ؟ ! هي الفقه ، في الفقه تقّرر أحكام الإسلام ، في الفقه تحدّد مفاهيم الإسلام ، في الفقه تتبسّط في استيعابه وشموله ومواقفه تجاه مختلف المشاكل والقضايا التي تمتدّ إليها حياة الإنسان ، فالفقه بوصفه عملًا علميّاً هو المرآة ، هو الواجهة ، هو المعرّف ، هو المظهر الخارجي الحسّي الذي يعيش حتّى اليوم والذي تنعكس فيه الشريعة بأحكامها ومفاهيمها وقوانينها ، فالفقه إذن هو همزة الوصل ، وعلى دقّة التعريف وشموله في هذا العرف وعلى المرآة يتوفّر مدى انعكاس الإسلام وبالتالي مدى وضوحه كرسالة منقذة قادرة على استيعاب كلّ مناحي حياة الإنسان وتقديم الحلول لهذه المشاكل التي تضجّ بها الأمّة خاصّة والبشريّة عامّة ، والفقه هنا كما تعلمون تطوّر من حيث الكيف ولم يتطوّر من حيث الكمّ ، تطوّر من حيث الكيف لأنّ أساليبه في الاستنباط تعمّقت وطرائقه في التفكير دقّت ، وأصبح العمق العلمي به أبّهة كبيرة ، إلّا أنّه لم يتطوّر كمّيّاً لأنّ الفقه لا يزال يبحث ويتناول نفس المنطقة المحدّدة التي تناولها الفقه منذ ألف سنة أو منذ مئات السنين لا يزال الفقه يعالج تلك الحدود المغلقة لمشاكل الإنسان ، لا يزال الفقه ينظر إلى العالم بمرآة ما قبل مئات السنين ثمّ يعالج هذا العالم . نستطيع أن نقول : إنّ التطوّر في الفقه عمودي ، وليس أفقيّاً ، كيفيّاً وليس كمّيّاً ، أي أنّه تعمّق عموديّاً ولم يتوسّع أفقيّاً ، وما لم يتوسّع كمّيّاً ولم ينبثق أفقيّاً لا يستطيع أن يبرز الرسالة الإسلاميّة بكلّ شمولها وخصائصها وغناها وقدرتها وإمكاناتها على حلّ مشاكل اليوم ، لا يستطيع أن يبرز الإسلام في الصورة التي تجلب انتباه الأمّة ، هذه الأمّة السكرانة بحضارات الكفّار المستعمرين ، هذه الأمّة [ المغزوّة ] بالأفكار الجاهليّة التي غزتها من كلّ صوب وحدب . إنّ هذه الأمّة السكرى النشوى بهذه الأفكار الجاهليّة تحتاج إلى قوّة الجذب ، وقوّة الجذب تتوقّف على أن تعطى الرسالة في الفقه الإسلامي بصورتها المستوعبة الشاملة القادرة المحيطة . إذن فمن ضرورات موقفنا الإسلامي ومن ضرورات أهدافنا الكبرى تحويل التطوّر الكيفي إلى تطوّر كمّي ، ولا أقصد من التحويل أن نستغني عن تلك التطوّرات الكيفيّة بل أن نأخذ تلك التطوّرات الكيفيّة ونستعين بها في سبيل تحديد كمّي وتوسيع عرضي أفقي لكي تجيء الصورة في الفقه مطابقة للرسالة ، وهذه العمليّة ليست بالعمليّة الهيّنة . قد يتصوّر بعض الناس أنّ هذه العمليّة لا تحتاج إلّا إلى شخص يستطيع أن يستوعب ما قاله الفقهاء بكتبهم الصفراء المطبوعة بالطبعة الحجريّة ثمّ ينقل أقوالهم إلى لغة حديثة يطبعها على ورق أبيض في المطابع الحديثة . إنّ القصّة ليست بهذه البساطة والسذاجة أيّها الإخوان ، وإن تصوّرها كذلك كثير من البسطاء والساذجين ، إنّ ما نشعر بالحاجة إليه وبضرورته بالفقه الإسلامي ليس هو فقط أن نغيّر من لغة التعبير ، أو أن نغيّر من الورق الذي نطبعه عليه أو أن نستبدل المطابع الحجريّة بمطابع الحروف ، بل لا بدّ من إحداث وتطوير في البناء الفقهي نفسه ، لا بدّ من اتّخاذ عمليّة تطوير في البناء الفقهي نفسه ، لا بدّ من توسيع فقهي في هذا البناء . هذا الانكماش بالأبعاد الفقهيّة لا بدّ من القضاء عليه ، لا بدّ وأن تعطي الإسلام