أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
71
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
نختلف فيه عن أصحاب الاتّجاه الثاني بأنّنا نرى أنّ العلم والتوغّل فيه إلى أبعد مدى ضرورة من ضروراتنا في طريق أهدافنا الكبرى . ولنأخذ المثال نفسه ذاك المثال الذي يوجّهه أصحاب الاتّجاه الثاني ويقولون : إذا فرضنا شخصاً مني بمريض فهل يحاول أن يسعفه فوراً ، أو يحاول أن يتشاغل عن إسعافه في التفلسف في كتاب القانون ؟ ! نقول : في هذا المثال ذاتهماذا يصنع هذا الشخص الذي مني بمريض لو لم يكن يملك النظريّة الواضحة المحدّدة لشفاء مرض المريض ؟ ! أليس الإسعاف يقوم على أساس نظريّة علميّة في الطبّأو هو عمل عمياوي يمارسه الإنسان بدون هدى أو بصيرة ؟ ! أليس من المنطقي والمعقول أن يبدأ هذا الشخص بتحويل نظريّة يقوم على أساسها الإسعاف ؟ ! وليس معنى هذا أن [ يُقعد ] هذا المريض حتّى ينتهي بحثه العلمي بالنظريّة ، بل أن يتخطّى المراحل العلميّة النظريّة ، وإلى جانب ذلك يستخدم كلّ جزء وصل إليه من تلك النظريّة في مجال الإسعاف وإنقاذ المريض ، فخطّ الإسعاف هنا يكون مواكباً لخطّ البحث عن النظريّة واقتناصها ، فهو في وقت واحد يمارس العمل النظري العلمي ، وينزل بمكاسب هذا العمل العلمي النظري إلى مستوى التطبيق ، إلى مستوى التجربة ، إلى مستوى الحياة فيحاول أن يستفيد ممّا كسبه نظريّاً في تمريض وتطبيب هذا الإنسان الذي بين يديه . ومن ناحية أخرى ماذا يصنع هذا الإنسان لو كان لا يمكن أن يمتلك الصفة الشرعيّة التي تخوّله أن يسعف هذا المريض بدون أن يمرّ في خطّ البحث النظري ، ويستوعب في هذا الخطّ المضمون العلمي للنظريّة ؟ أليس من اللازم والحالة هذه أن يكتسب [ المعلومات ] التي تؤهّله أن يقوم بالإسعاف والتمريض . وهذه النقطة تبرز البحث النظري ، تبرز الأهمّيّة في البحث النظري كأداة وكوسيلة لاكتساب الصفة الشرعيّة في مجال الإسعاف ، بينما النقطة الأولى تبرز أهمّيّة البحث النظري بالذات بوصفه القاعدة الفكريّة الحقيقيّة التي يقوم على أساسها الإسعاف ، كلّ هذا يمكننا أن ننقله من هذا المجال الضيّق إلى المثال الضخم إلى الأمّة بالذات . إنّ الأمّة مريضة ، وهذا ما لا شكّ فيه ، فإنّ اليوم قد نفذ سمّ الحضارات الكافرة إلى كلّ أجوائها الفكريّة والروحيّة والاجتماعيّة والسياسيّة إلى كلّ كيانها أفراداً وجماعات ، والمسؤوليّة الكبرى التي تقع على عاتقنا هي أن نواكب عمل الأنبياء والأوصياء في انتشال هذه الأمّة من جاهليّات الإنسان الغربي ، إنسان هذا العالم الحديث المنحرف عن الله وإرجاعها إلى خطّ الإسلام ، إرجاعها بأبصارها وبأرواحها وبأفرادها بجماعاتها بل بكلّ مناحي وجودها وشعب حياتها ، هذه هي الأمنية الكبرى تجاه هذا المريض العزيز الذي نحاول إسعافه ، وهذه المسؤوليّة الكبرى تتطلّب منّا أن ندخل في نفس الوقت في البحث النظري ، وذلك لأمرين : الأوّل : هو أنّنا لا نشكّ في أنّ الشريعة الإسلاميّة هي أعظم رسالات السماء وأقواها وأوسعها وهي وحدها دون غيرها من الرسالات السماويّة أو الأرضيّة قادرة الآن وسوف تبقى قادرة على حلّ جميع مشاكل الإنسان على وجه الأرض وملء كلّ الفراغات في حياته بأفضل ما يمكن أن تملأ به وتوفير الحدّ الأعلى من السعادة له في حياته الخاصّة والعامّة في دنياه وأخراه ، هذا ممّا لا شكّ فيه . كما أنّنا لا نشكّ في أنّ الحاجة البشريّة إلى الإسلام ، إلى هذه الرسالة المنقذة تشتدّ يوماً بعد يوم لأنّ العالم سائر في طريق الهاوية وفقاً لخطّ الانحراف الذي رسم له من قبل صانعي هذه الحضارات البشريّة المزيّفة . وهو كلّ ما اقترب من الهاوية [ أحسّ بحاجة ] إلى المنقذ ، أحسّ بضرورة الحصول على رسالة ترفعه إلى أعلى بدلًا عن هذه الرسالات التي تنزل به إلى أسفل وتأخذ به إلى الحضيض . إذاً ، فالإسلام كشريعة وكرسالة هو شيء مخطّط محدّد قادر على ملء كلّ الفراغات والعالم ممتحنة