أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

65

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

ويسجّل اسمه في قائمة متّبعيهم . وهذا معنى ما قلته منذ البداية ، أصحاب هذا الاتّجاه الثالث يفتحون عيونهم للدنيا ويفتحون قلوبهم للرسالة والأمانة ، وحينما يوزّعون عيونهم وقلوبهم هذا التوزيع يصبحون قادرين على مواصلة العمل عمل الأنبياء والأوصياء . من هنا وهنا يكمن الخطر ، ومن هنا تبدأ المتاعب والمصاعب ، ذلك أنّ الإنسان الداعية المبلّغ الذي يمثّل الاتّجاه الثالث قد قضي عليه بمنطق هذا الاتّجاه أن يفتح عينه للدنيا ، وهذا معناه أنّه قد قضي عليه أن يواجه الدنيا بكلّ مغرياتها وشهواتها وأن يمارس العمل على صعيد الدنيا بكلّ ما في هذا الصعيد من أخطار وألوان ومتاعب ومشاكل ، أي أنّه فرض عليه أن يعيش في المنزلق ولكنّه في نفس الوقت فرض عليه أن ينزلق لأنّ قلبه الموجّه لإرادته هو ملك الرسالة لا ملك الدنيا . انظروا إلى هذا الموقف الحرج : انظروا إلى موقف شخص قدّر عليه دائماً في خطّ حياته أن يعيش في المنزلق وكلّف بأن لا ينزلق ، إنّها المحنة إنّه الامتحان الذي إن نجح فيه المرء كان من الصدّيقين كان من أصحاب محمّد وعليّ ( ع ) وإن سقط فيه المرء ثبت بذلك أنّه لا يتوفّر فيه الشروط الصحيحة الكاملة لأن يمثّل الخطّ الثالث . وبودّي أن أوضح هذا الموضوع بشكل أوسع فأقول : إنّ المبلّغ الذي يحمل الرسالة ويريد أن يشقّ لها الطريق في عالم الدنيا ، في عالم الناس الذي هو مجال التبليغ ، حينما يريد أن يشقّ للرسالة طريقاً يشقّ في نفس الوقت طريقاً لنفسه ، وهذا معناه أنّ طريق الرسالة هو طريق الرسول أو طريق القائد أو طريق المبلّغ وطريق الرسالة وطريق حمل هذه الرسالة . أتّحدث في طبيعة انتصارات الرسالة مع انتصارات الشخص وانتصارات الشخص مع انتصارات الرسالة ، التقت إلى حدّ كبير مصالح الشخص مع مصالح الرسالة ومصالح الرسالة مع مصالح الشخص . هذا يعني أنّ عمليّة التبليغ يمتزج فيها قطبان ، يمتزج فيها عنصران : عنصر الرسالة وعنصر المبلّغ الذي يحمل أهداف الرسالة ويسعى في سبيل تحقيقها ، إذ لا يمكن أن تتّسم عمليّة التبليغ بدون إنسان يسعى لتحقيق تلك الأهداف وإلّا بقيت الرسالة وحدها معلّقة بدون تبليغ بين الأرض والسماء ، كما أنّ المبلّغ بدون رسالة لا يمكن أن يكون مبلّغاً ، فعمليّة التبليغ بطبيعتها توحّد بين عنصرين : بين الرسالة والإنسان الذي يضطلع بمسؤوليّات تلك الرسالة أو المجموعة من الناس التي تعيش أهداف تلك الرسالة وتسعى في سبيل تحقيقها . وهذا التوحّد بين هذين العنصرين يقتضي توحّدهما صريحاً وانتصاراً وانكساراً وتوحّدهما تقدّماً وتأخّراً ، توحّدهما في المشاكل والمتاعب من ناحية وفي المكاسب والفوائد من ناحية أخرى ، توحّدهما في الآلام والآمال ، فآمال الداعية هي آمال الرسالة وآلام الداعية هي آلام الرسالة لأنّه يريد أن يشقّ الطريق للرسالة ، من يكون بيده مصباح من نور ومن يريد أن يشقّ الطريق بهذا النور ماذا يصنع ؟ ! إنّه في نفس الوقت بصورة أوتوماتيكيّة يشقّ الطريق لنفسه لأنّ المصباح بيده ، فطريق المصباح هو طريق صاحب المصباح . هذا التوحّد بين الرسالة وبين الأشخاص الذين يعملون من أجل هذه الرسالة في الطريق ، بالانتصار والانكسار ، بالمشاكل والمصاعب والمكاسب والفوائد ، هذا التوحّد هو مصدر الخطر ، وذلك لأنّ الرسالي الذي يشقّ هذا الطريق يجب عليه أن يبقى دائماً على درجة كبيرة كبيرة من الإحساس لأنّه يشقّ الطريق للرسالة ، وإنّه إنّما يمشي في هذا الطريق لأنّ له بمشيه كلّف هذه الرسالة « 1 » ، لأنّه يحمل بيده

--> ( 1 ) كذا .