أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

66

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

المصباح ولو توقّف لتوقّف هذا المصباح ، يجب عليه أن يشعر بأنّ هذا الطريق منسوب إليه نسبة حرفيّة ومنسوب إلى الرسالة نسبة اسميّة ، يجب عليه أن يشعر بأنّه هو في تحرّكاته وفي مصالحه وفي فوائده وفي خسائره إنّما يحسب الحساب للرسالة لا لنفسه ، وهذا الشعور هو الذي قد يتحرّك ، هو الذي قد يتأرجح . هذا الذي قد يبدو في بعض الأحيان صعباً على الإنسان ما لم يؤته الله التأييد ، ذلك أنّ الإنسان الداعي حيث إنّه بحكم عمله لا بدّ له أن يفكّر في المصالح والمفاسد ، هذا الطريق لا بدّ له أن يفكّر تفكيراً إيجابيّاً في الدنيا ، لأنّ الدنيا هي مجال عمله . وبهذا قد ينفتح له من هذه الإيجابيّة مشاعر ومشاعر وقد ترد على قلبه انفعالات وانفعالات ، وإذا به يخرج عن كونه ذلك الداعية المبلّغ الأمين الحامل للرسالة . قد يختلط عليه في أثناء الطريق المعنى الأسمى بالمعنى الحرفي وقد ينقلب المعنى الحرفي عنه إلى معنى اسمي وقد يتضاءل عنده المعنى الاسمي ويبرز الحرفي ، قد يتعوّد عقله على التفكير في منطق المصالح والمفاسد فيتحوّل هذا العقل إلى عقل مصلحي كالعقل الذي يعيشه أصحاب الاتّجاه الأوّل . انظروا أيّها الأعزّة ما هو قدر المسؤوليّة ! وما هو قدر الحرج ! ما هو مقدار ما يجب على الداعية أن يثبّت به نفسه لكي يتحصّن ولكي يواصل طريقه بكلّ أمانة ودقّة ووضوح . إنّه في نفس الوقت الذي يفكّر بعقليّة المصالح والمفاسد يجب أن يجعل في نفسه هذه الحقيقة واضحة جليّة في كلّ حين وهو أنّه إنّما يفكّر بهذه العقليّة لحساب الرسالة وإنّما يفكّر بهذا المقياس لا لأنّ هذا المقياس هو مقياس نفسه ، بل لأنّه هو مقياس لانتصارات الرسالة وتقدّم الرسالة لا تقدّم ذاته وشخصه . وهنا قد يشتبه الحساب ، هنا يجب على الداعية أن يراجع نفسه بين كلّ حين وحين ويمتحن عمله ويمتحن إقدامه ويمتحن عقليّته ويمتحن اتّجاهه التفكيري في المصالح والمفاسد ليتأكّد في كلّ ساعة وفي كلّ وقت من أنّ اتّجاهه التفكيري في المصالح هو اتّجاه يقوم على أساس حمل الرسالة والأمانة ولا يقوم على أساس الأشخاص ولا يقوم على أساس آخر من الأسس النفعيّة التي يؤمن بها أصحاب الاتّجاه الأوّل ويعملون بها . ويمكنني أن ألخّص الفروق الرئيسيّة بين الموقف الإيجابي للاتّجاه الثالث وأيّ موقف إيجابي آخر لا يقوم على أساس حمل الرسالة والأمانة في ثلاثة فروق : هذه الفروق الرئيسيّة الثلاثة هي المأمن الرئيسي وهي الفارق الجوهري بين إيجابيّة الداعية وإيجابيّة غيره ، بين إيجابيّة جماعة تؤمن برسالتها وتعمل في سبيل رسالتهاوبين إيجابيّة جماعة تؤمن بنفسها وتعمل في سبيل نفسها . هذه الفروق الثلاثة : 1 - نظافة الوسائل : إنّ شقّ الطريق لا بدّ له من وسائل ، تختلف هذه الوسائل باختلاف الظروف والملابسات ، وباختلاف مرحلة الطريق التي يراد شقّها ، وباختلاف نوع المصاعب والمشاكل التي يواجهها هذا الشخص الذي يريد أن يشقّ الطريق . وكثيراً ما يتّفق أنّ الشخص الذي يريد أن يشقّ الطريق أو الجماعة التي تريد أن تشقّ الطريق تواجه وسائل عديدة ، بعضها نظيفة وبعضها غير نظيفة . وأريد بالنظيف وغير النظيف من الوسائل هنا أنّ بعض هذه الوسائل تتّفق مع روح الرسالة وأهدافها الكبيرة وبعض هذه الوسائل توصل إلى الغرض ولكنّها تعتبر انتكاساً بحسب مقياس الرسالة ، تعتبر تراجعاً بحسب مقاييس الأمانة . افرضوا شخصاً يريد أن يحمي مال غيره : هنا تارةً يحمي هذا المال عن طريق سرقة مال من شخص آخر لينفقه في سبيل حماية هذا المال ، هذه الوسيلة وسيلة غير نظيفة لأنّها لا تتّفق مع روح الأمانة وتكشف عن أنّه إنّما يحمي هذه الأمانة لأنّه بذلك يحمي ذاته وإلّا لو كان يريد أن يحمي الأمانة من حيث إنّها أمانة لما خان في مقام حمل الأمانة ، لما سرق مال شخص ليحمي مال شخص آخر .