أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
64
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
حينما يسلّم إليك ذلك المال لكي تحفظه ، وحينما تقبل أنت هذا الائتمان ، وحينما تعلن أنّك أمين على هذا المال ، حين ذلك تجد نفسك مقيّداً ، تجد نفسك محدّداً بمقتضيات هذه الأمانة ، تجد نفسك مسؤولًا عنه لاضطلاعك بمسؤوليّة هذه الأمانة وقبولك حفظ ذلك المال . إذا كان هذا هو شأن مال بسيط ، فما هو بال أعظم الرسالات رسالة السماء على وجه الأرض ؟ ! هذه الرسالة التي عمل من أجلها مئة وأربعة وعشرون ألف نبي وعمل من أجلها أوصياء هؤلاء الأنبياء وعمل من أجلها سيّد الأنبياء ، وضحّى من أجلها سيّد الشهداء ، ما بال هذه الرسالة وما هو ثمن أمانتها إذا كان الشخص يريد أن يضطلع بمسؤوليّة هذه الأمانة ؟ ! أليس لهذه الأمانة حرمة تحدّد وتهيمن وتحكم على سلوك الأمين . الإنسان بالخيار في دائرة المباحات إن شاء فعل وإن شاء ترك ما لم يكن أميناً فإن أصبح أميناً تطلّب الموقف منه ما تفرضه عليه الأمانة . وكلّما كانت الأمانة أغلىوكلّما كانت الأمانة أعظم وأوسع نطاقاًوأكثر أهمّيّة وأكبر مسؤوليّة كان الموقف أدعى لأن يتكيّف بموجبها ويتأثّر بحدودها ويتلوّن بظروفها . إذاً فالمنطق الذي يمثّله الاتّجاه الأوّل لا يمكن أن يكون منطق الداعية المبلّغ الذي نذر نفسه للرسالة ، والذي اضطلع بواجبات الأمانة . إنّ القاعدة للسلوك يجب أن تكون هي الطاعة لله في دائرة الواجبات والمحرّمات الصريحة وهي التكيّف وفقاً لمتطلّبات الأمانة الكبرى وحمل الرسالة ومواصلة السير في طريق الشهداء والأنبياء والأوصياء . هذا ما يقوله أصحاب الاتّجاه الثالث للاتّجاه الأوّل ، ولكنّهم في نفس الوقت يعترضون على الاتّجاه الثاني أيضاً فلا يقبلون منه سلبيّة الدنيا ، لا يقبلون منه اعتقاده بأنّ الدنيا صفرأو كمّيّة مهملة في حسابهم وفي حياتهم وفي مجال عملهم . كلّا ! إنّ الدنيا في نظر الداعية المبلّغ سواء كان هذا الداعي المبلّغ نبيّاً أو وصيّاً أو شخصاً سائراً في موكب الأوصياء والأنبياء ومقتفياً آثارهم ومقتدياً بطريقتهم ، إنّ الدنيا في نظر هؤلاء هي الحقل الذي يجب أن يمارسوه ، يجب أن يحفروه ، يجب أن يزرعوه ، يجب أن يسقوه ، يجب أن يحصدوا زرعهم ، يجب أن يقطفوا ثمار زرعهم لأنّ الدنيا هي حقل التبليغ وهي حقل الدعوة . إنّ الرسالة لم تنزل لتبقى وقفاً على أشخاص معيّنين أو على لحظات معيّنة من المناجاة ومن الانقطاع إلى الله ، وإنّما نزلت ليعمّ نورها الأرض كلّها ، نزلت الرسالة ليهتدي بنورها أكبر عدد ممكن من البشر وليسير على هداها وعلى نورها هؤلاء البشر . فلكي تحقّق الرسالة أهدافها ولكي تصل إلى أبعادها ولكي تنفذ في مجالها ولكي تنتشر أفكارها ولكي تعمّم أحكامها وثقافتها ، هي الثقافة السائدة ، الثقافة الواضحة اللائحة العامّة ، لكي تحقّق كلّ ذلك أو لكي تكون في طريق التحقيق يجب أن يمارس العمل مع البشر ، مع الناس الذين لأجلهم أنزلت هذه الرسالة ، يجب ممارسة العمل مع الدنيا مع أهل الدنيا لكي تنتصر الرسالة وتملك زمام الموقف وتسيطر وتدخل إلى قلوب الناس وإلى عقولهم . من يحمل بيده المصباح ويجد هناك أناساً يعيشون في الظلام ويجد نفسه مسؤولًا عن إنارة الطريق لهم ، عن إزالة الظلام عنهم ، عن إخراجهم من الظلمات إلى النور ، إنّ هذا الشخص الذي بيده المصباح لا يجوز أن يتّخذ منهم موقفاً سلبيّاً فيقول : ما بالي وبالهم أنا في نور وهم في ظلام ! كيف أنزل إلى مستوى ظلامهم ! لا تتنزّل إلى مستوى ظلامهم وبيدك المصباح لكي ترفعهم إلى مستوى نورك . إذاً فالعمل على صعيد الدنيا هو عمل الداعية المبلّغ ولكن لا بدافع الدنيا وإنّما بدافع الرسالة وبدافع الأمانة ، فكما أنّ مقاييس الاتّجاه الأوّل تتعارض مع الأمانة ومع حفظ الرسالة كذلك سلبيّة الاتّجاه الثاني لا تنسجم مع طبيعة موقف الأمين الذي يريد أن يسير في موكب الأنبياء والأوصياء ويقتفي آثارهم