أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

63

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

إنّ هذا الرجل لم يكن يجد له شأناً من النظر لأنّه نظر إلى الدنيا من أعلى فأحسّ بواقع زيف الذهب . ولم يستطع الذهب بالرغم من كلّ قوّته وإغرائه ولمعانه أن يختطف أبصار هذا الرجل العظيم‌أو أن يزلزل قلبه أو أن يخطف منه عقله أو أن يسرق منه روحه ، فبقي ينظر إلى هذا الذهب وهو يلمع أمامه كما ينظر إلى كومة من الحديد الأوّل ، بل إنّه انزعج منه وتضايق لأنّه منعه أو حال بينه وبين الماء ، بين الماء الذي يريدليتطهّر به‌لكي يتهيّأ لمناجاة ربّه ، للعبادة التي عاش لها وتعشّقها وشعر بلذّتها واستصغر كلّ اللذّات في مقابل تلك اللذّة . هذه القصّة سواء كانت قد وقعت بالفعل أم لم تقع فهي رمزٌ بدون شكّ إلى روحيّة الاتّجاه الثاني ومنطق الاتّجاه الثاني وتعكس بوضوح سلبيّة الاتّجاه الثاني في الموقف العملي ، وشعور أصحاب هذا الاتّجاه بأنّه لا يحسب للدنيا حساب في حياتهم العمليّة . هذان الاتّجاهان يختلفان كلّ الاختلاف كما ترون أيّها الأعزّة . وهناك اتّجاه ثالث عاش معهما بين الاتّجاهين على طول التاريخ يجد أيضاً له نظائر وشواهد كما نجد للاتّجاهين السابقين شواهدهما ونظائرهما ، على اختلاف في شواهد ونظائر هذا الاتّجاه من حيث درجة الوعي ومستوى التفكير وإقبال الناس والقابليّات ومدى النظر الذي يتمتّع به هذا الاتّجاه ومن ينسب إلى هذا الاتّجاه . إنّ هذا الاتّجاه يختلف عن كلا الاتّجاهين السابقين ، فهو يأخذ من الاتّجاه الثاني جوهر روحه‌ويرفض سلبيّته ، ويأخذ من الاتّجاه الأوّل طبيعته الإيجابيّة في العمل‌ويرفض مقاييسه وروحه ومنطقه ، بينما فتح الاتّجاه الأوّل عينيه وقلبه معاً للدنيا وبينما أغلق الاتّجاه الثاني عينه وقلبه معاً عن الدنيا يقف هذا الاتّجاه فاتحاً عينه للدنيا موجّهاً قلبه إلى الرسالة وأهداف الرسالة وواقع المسؤوليّة التي تحدّد تلك الأهداف . هذا الاتّجاه يعترض على كلا الاتّجاهين السابقين ، فهو يناقش منطق الاتّجاه الأوّل ومقياسه وقاعدته في السلكوك والعمل فيقول : صحيح ما يقولونه من أنّ المتديّن بوصفه متديّناً هو بالخيار في دائرة المباحات إن شاء فعل وإن شاء ترك‌ما دام لم يرتكب معصية صريحة في دائرة الواجبات والمحرّمات ، هذا صحيح ولكن هذا الشيء الصحيح إنّما ينسجم ويتّفق مع المتديّن الاعتيادي الذي يريد أن يعيش تحت الراية لا مع من يريد أن يمارس حمل الراية وأداء الأمانة والقيام بأعباء الرسالة ، هذا صحيح بالنسبة إلى المتديّن الذي يسير في الخطّ المحدّد له لا بالنسبة إلى المخطّط الذي يريد أن يقود الأمّة ويمشي بها في طريقها الشرعي الصحيح ، هذا صحيح بالنسبة إلى الرعيّة لا بالنسبة إلى من يريد أن يسجّل في موكب الأنبياء والأوصياء أي من يريد أن يسجّل اسمه في موكب الأنبياء والأوصياء هذا الموكب العظيم الذي قدّم لتاريخه الطويل الطويل من التضحيات والبطولات والدم الغالي والوقت الغالي والجهد الغالي ما لا يمكن أن يوصف أو يعبّر عنه . إنّ من يريد أن ينخرط في هذا الموكب العظيم يجب أن يسمو إلى روح هذا الموكب ، يجب أن يتعالى إلى مستوى أهداف هذا الموكب وإلى مقاييس هذا الموكب يجب أن يستشعر دائماً أنّه أمين على أغلى أمانة وأنّه مسؤول عن أعظم رسالة ، مسؤول عن الأمانة التي من أجلها بذل الشهداء دماءهم ، التي من أجلها بذل أغلى الناس دمه وبذل أغلى الناس نفساً نفسه ، هذه الأمانة التي خاض في حملها آلاف الأنبياء والأوصياء والشهداء والصدّيقين ، والأمين تختلف مسؤوليّته عن غيره . أنت حين ترى مالا لغيرك لا تعتبر نفسك مسؤولًا عن حمايته وحفظه بدرجة معيّنة ، وإنّما أنت مسؤولٌ فقط عن عدم التعرّص له بإتلاف أو غصب أو نحو ذلك ، ولكنّك حينما تؤتمن على ذلك المال ،