أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
49
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
--> - وجوده على أراضيها لاستفزاز الحكومة الإيرانيّة . وما الامتيازات التي حظي بها أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) إلّا دليلًا على ذلك ، طبعاً دون أن نوافق جماعة السيّد الحكيم ( رحمه الله ) في حديثهم - أعني بالتلميح - عن ألوان العمالة كما قلنا ، فإنّ الخمينيّين أعداء للبعث بلا شك . إلّا أنّ هذه الامتيازات ممّا لا يمكن إنكاره : فقد ذكر لي أحد السادة الذائبين في السيّد الخميني ( رحمه الله ) أنّ الحكومة العراقيّة كانت قد أطلقت يد أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) ، ولهذا كانوا يجولون بحريّة تامّة في بغداد لينشروا كرّاساته حول ولاية الفقيه دون أن يعترض طريقهم أحد . والحقيقة أنّ هذا لم يكن ليقنعني بصحّة هذا الاتّجاه ، لولا أنّي شاهدت مقابلة للسيّد محمود دعائي - أحد أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) المقرّبين وسفير إيران في العراق بعيد انتصار الثورة - يتحدّث فيها عن ظروف سفر السيّد الخميني ( رحمه الله ) إلى باريس بعد أن صارت الحكومة العراقيّة ملزمة تجاه الحكومة الإيرانيّة بعدد من الالتزامات بعد توقيع معاهدة الجزائر سنة 1975 م ، وممّا قاله إنّه لمّا أراد استصدار تأشيرة خروج للسيّد الخميني ( رحمه الله ) والأصحاب ، قصد مديريّة الإقامات ، وصرّح بأنّه كانت تربطه علاقة برئيس الدائرة بحيث كان يملأ الملف ويجهّز كلّ شيء ، وكان رئيس دائرة الإقامات يوقّع دون أن ينظر إلى شيء ، وبالفعل ملأ الملفّات ووقّعها ذاك ، وبذلك استطاع السيّد الخميني ( رحمه الله ) السفر دون انتباه السلطات ( ( ) . ومن الواضح أنّ الوصول في العلاقة إلى هذا الحد ليس بالأمر الهيّن ، ولم يكن أصحاب السيّد الحكيم ( رحمه الله ) والجو النجفي عموماً ليحلموا بعشر معشاره . فإن كان هناك ما يدفع أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) لاتّهام أصحاب السيّد الحكيم ( رحمه الله ) في علاقتهم مع الشاه ، فهناك ما قد يبرّر ذلك للطرف الآخر حول علاقة أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) بالنظام العراقي . ولكنّ الثغرة التي وقع فيها الطرفان أنّ كلًّا منهما كان يتّهم الآخر بالعمالة ، غافلًا عن أنّ ذلك كان محكوماً للّعبة السياسيّة التي حكمت المنطقة ما قبل سنة 1975 م . طبعاً هذا لا يمنع وجود عميلٍ بالفعل هنا وهناك . * * * أمّا السيّد الصدر ( رحمه الله ) - وهو الذي يعنينا بالدرجة الأولى - فقد كان موقفه مستقلًّا عن اتّجاه مرجعيّة السيّد الحكيم ( رحمه الله ) ، وإن كان محسوباً لدى أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) عليها : وقد تقدّمت للتو رسالته التي بعثها إلى الشيخ محمّد جواد مغنيّة ، ويظهر منها بوضوح التقائه مع الخمينيّين في موقفهم من الشاه وأمريكا على حدٍّ سواء ، ولا يعقل تصنيفه في تلك المرحلة ضمن مخالفي السيّد الخميني ( رحمه الله ) نتيجة ارتباطه بمرجعيّة السيّد الحكيم ( رحمه الله ) ، وإن كان أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) قد صنّفوه كذلك [ انظر مثلًا : خاطرات آيت الله خاتم يزدى ( فارسي ) : 187 ] . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى كان السيّد الصدر ( رحمه الله ) في المرحلة الأولى متوقّفاً في ما يتعلّق بحركة السيّد الخميني ( رحمه الله ) ، لكن لا من ناحية حقّانيتها ، بل من ناحية عدم وضوح قدرتها على تحقيق أهدافها في ظلّ الإمكانيات البسيطة التي تمتلكها ، ولهذا استغرب ( رحمه الله ) من جواب السيّد الخميني ( رحمه الله ) بأنّه لا يملك حزباً يعمل إلى جانبه على ما أثبتناه في المتن . وهذا الشك في قدرة السيّد الخميني ( رحمه الله ) على إقامة حكومة إسلاميّة كان سائداً لدى أكثر الشرائح ، ومنهم الكثير من الإيرانيّين الذين حسبوا لاحقاً ضمن رجالات الثورة الإسلاميّة نفسها . ويُروى أنّ أحد الباعة النجفيّين قال للسيّد الخميني ( رحمه الله ) : « أتريد بهذا اللباس وهذين النعلين أن تسقط تاج الشاه ؟ ! » ، فأجابه السيّد الخميني : « سترى بأنّ هذين النعلين سيطآ هذا التاج » . وعلى أيّة حال ، فقد بقيت العلاقة بين الطرفين تسير في مسار رتيبٍ إجمالًا ، وأعتقد أنّه ممّا ساعد على ذلك طبيعة السيّد الخميني ( رحمه الله ) الخاصّة في كيفيّة تفاعله مع الأمور ، أعني صمته المطبق والمحيّر في كثيرٍ من الأحيان ، إضافةً إلى عدم تدخلّه في الوسط النجفي قدر المستطاع ، وهو أمرٌ يلاحظه الجميع ويعترفون به ، حتّى أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) في مقابلاتهم ( ( ) . ونحن نجد أنّ السيّد الخميني ( رحمه الله ) كان حاضراً نسبيّاً عند السيّد الصدر ( رحمه الله ) ، أو بنحوٍ من الأنحاء على الأقلّ ، الأمر الذي يجعل إدراج السيّد الصدر ( رحمه الله ) ضمن الحكيميّين في موقفهم تجاه السيّد الخميني ( رحمه الله ) بلا مبرّر على الإطلاق : فإضافة إلى رسالته السابقة إلى الشيخ مغنيّة ( رحمه الله ) ، تراه يفرح بشدّة عند شروع السيّد الخميني ( رحمه الله ) بتدريس فقه الحكومة الإسلاميّة ، في حين وقفت النجف عموماً من السيّد الخميني ( رحمه الله ) موقفاً اتّسم بالبرود على أقلّ التقادير ، وتجده يقول -