أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
48
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
--> - أيّام عبد السلام عارف ، وإن كان هذا لا يعني أنّها لم تتحسّس مدى خطورة السلطة ، خاصّةً في أيّام البعثيّين . ويقف إلى جانب ذلك اعتقادها بأنّ الشيوعيّة هي الخطر الأكبر على المنطقة لا أمريكا ، ولهذا ليس غريباً تصوّر نوع من الالتقاء في المصالح بين النجف وشاه إيران ، يد أمريكا الرسميّة في المنطقة . وربّما كرّس جو التباين وعدم الالتقاء بين حركة السيّد الخميني ( رحمه الله ) وحوزة النجف تخوّف الجوّ النجفي من بساطة القدرات التي يمتلكها السيّد الخميني ( رحمه الله ) في مقابل نظام الشاه ؛ فقد كان هناك تخوّف من فشله في استلام أمور البلاد ، الأمر الذي سيعرّض إيران إلى السقوط بيد النظام الشيوعي السائد في الاتّحاد السوفييتي السابق ، وهو الجار القريب لإيران ، الأمر الذي سيجعل النظام الشيوعي جاراً للبلاد العربيّة عموماً وحوزة النجف خصوصاً . وقد انعكست هذه المواقف على نظرة كلٍّ من الطرفين إلى الآخر : فقد كان المحسوبون على مرجعيّة السيّد الحكيم ( رحمه الله ) يرون أنّ أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) يجدون محذوراً في الطعن بنظام العراق كي لا يلزم منه تأييد الشاه وإضعاف الجبهة الشرقيّة المعادية لنظامه ، وذلك نتيجة العلاقة السلبيّة الموجودة يومذاك بين النظام العراقي وبين النظام الإيراني قبل معاهدة الجزائر عام 1975 م ، وقد ساءهم بشدّة امتناع علماء إيران - برغبةٍ من الشيخ المنتظري المقرّب من السيّد الخميني ( رحمه الله ) - عن إرسال تنديدٍ إلى حكومة البكر جرّاء الإهانات التي ألحقتها بمرجعيّة السيّد الحكيم ( رحمه الله ) إثر اتّهامها نجله السيّد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) بالعمالة ، كما ساءهم لقاء البكر بالسيّد مصطفى الخميني ( رحمه الله ) أثناء الحصار الذي كان يعاني منه السيّد الحكيم ( رحمه الله ) ، حيث اعتبروه لقاءً اختياريّاً ، بينما أكّد أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) على أنّه كان اعتقالًا ( انظر أحداث سنة 1389 ه - ) . وتظهر طبيعة العلاقة هذه واضحةً من خلال الرسالة التي أرسلها السيّد محمّد باقر الحكيم ( رحمه الله ) إلى الشيخ محمّد مهدي شمس الدين ( رحمه الله ) إثر اتّهام السيّد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) بالعمالة سنة 1969 م ( انظر : محمّد باقر الصدر بين ديكتاتوريّتين : 423 - 424 ؛ وانظر حول التفاصيل أحداث سنة 1389 ه - ) . وفي المقابل كان أصحاب السيّد الخميني ( رحمه الله ) يطعنون في أصحاب السيّد الحكيم ( رحمه الله ) ، وذلك من جهة مواقفهم الليّنة تجاه الشاه ، وتوغّل بعضهم إلى أعمق من ذلك متحدّثاً عن نوع من الارتباط بذلك النظام ، وربّما يستفيد هؤلاء في هذا المجال - في ما يستفيدون منه - من طبيعة الخطابات الموجودة بين الطرفين ، كما في برقيّة السيّد الحكيم ( رحمه الله ) إلى الشاه عقيب وفاة السيّد البروجردي ( رحمه الله ) . أو من رسالة السيّد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) إلى شاه إيران بتاريخ 10 / تير / 1350 ه - ش ( 1 / 7 / 1971 م ) يطلب منه فيها داراً له ولعياله في طهران ، وقد جاء الخطاب في هذه الرسالة على النحو التالي : « حضرة صاحب الجلالة الشاهنشاه آريامهر المعظّم أسعد الله الأمّة بتأييد ملكه ونفوذ سلطانه » ( محمّد باقر الصدر بين ديكتاتوريّتين : 513 - 514 ) ، وهي رسالة يقول السيّد محمّد باقر الحكيم ( رحمه الله ) إنّ الخطّ فيها خطّ السيّد مهدي والتوقيع توقيعه ( نقل لي ذلك الشيخ عبد الحليم الزهيري عن السيّد كاظم الحائري عن السيّد محمّد باقر الحكيم ( رحمه الله ) ) ، وإن كان الشيخ علي كوراني يؤكّد على أنّ هذه العلاقة كانت ظاهريّة فحسب ، وإلّا فإنّ السيّد مهدي ( رحمه الله ) لم يكن يثق بالشاه ، ولمّا خرج من إيران سأله الشيخ كوراني عن سبب خروجه فأجابه بأنّه ليس مستعدّاً ليحضر في بلاط الشاه عند كلّ مناسبة ، حتّى لو حاضت زوجته ( مقابلة مع الشيخ علي كوراني ، ( ) . بل إنّ السيّد مهدي الحكيم ( رحمه الله ) اتّهم من قبل رجالات الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة بالعمالة لبريطانيا ( انظر مثلًا : محمّد باقر الصدر . . حياة حافلة . . فكرٌ خلّاق : 228 ) . وإذا كان السيّد الحكيم ( رحمه الله ) - أو جهازه فحسب - لا يرى من الصالح الخوض في صراع مع نظام الشاه ، فقد كان الأخير يستغلّ بدوره هذا الموقف من أجل الضغط على السيّد الخميني ( رحمه الله ) ، كما كان نظام البعث يحاول الاستفادة من وجود السيّد الخميني ( رحمه الله ) في النجف كي يضغط بدوره على نظام الشاه مستفيداً من حالة العداء الموجودة بين السيّد الخميني ( رحمه الله ) والشاه . وجماعة السيّد الحكيم ( رحمه الله ) يرون مثلًا أنّ السيّد الخميني ( رحمه الله ) مكث في العراق أربعة عشر عاماً لم يتّخذ مواقف من البعث مثل التي اتّخذها من الشاه ، وإن كنّا قد أحصينا له في هذا الكتاب مواقفه منه هنا وهناك ، حتّى أنّه قالها صريحةً لأحد موفدي السلطة إليه : « ليس من الصحيح أن تؤذوا الناس وتتوقّعوا منّا الصمت ، فإنّنا نعارضكم كما نعارض الشاه ، وكما إنّه يظلمهم فإنّكم تظلمونهم أيضاً » [ پرتويى از خورشيد ( فارسي ) : 386 - 387 ] . وكان هذا الأمر يحمل أصحاب السيّد الحكيم ( رحمه الله ) على الذهاب في تفكيرهم إلى بعيد ، والأمر نفسه ينطبق على الطرف الآخر من جهة موقف السيّد الحكيم ( رحمه الله ) من الشاه . وصحيحٌ أنّ الحكومة العراقيّة كانت عدوّة حقيقيّة لحركة السيّد الخميني ( رحمه الله ) ، إلّا أنّها لم تتوقّف عن الاستفادة من -