أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

136

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

الإسلام حينما يقول هذا فهو منسجمٌ مع قاعدته الفكريّة ، الحضارة الغربيّة حينما تقول هذا فهي متناقضة مع قاعدتها الفكريّة . الإسلام يقول هذا لأنّ الإسلام يعبّر عن رسالة ، من وجهة رأي الإسلام طبعاً نتكلّم ، كما أنّنا نتكلّم هناك من وجهة نظر الحضارة الغربيّة ، الإسلام من وجهة نظره وتصوّره لموقفه يعبّر عن رسالة ، وهذه الرسالة ليست نابعة من إنسان معيّن ، أو كيان إنساني معيّن ، وإنّما هي نازلة من السماء ، من الله تعالى ، فهذه الرسالة بطبيعة انتسابها إلى الله تعالى بإمكانها نظريّاً أن تدّعي القيمومة على الحياة البشريّة . تبقى فكرة القيمومة طبعاً صعبة بمقدار صعوبة الإيمان بالله ، بمقدار ما يصعب على الإنسان أن يؤمن بالله . إذا كان في هذا صعوبة على الإنسان ، فمن الصعب عليه أن يؤمن بقيمومة رسالة ناشئة من الله سبحانه وتعالى . ولكن هذه الفكرة كمتمّم طبيعي لفكرة الله تعالى ، أي : إذا كنّا قد فرضنا في الرسالة الإسلاميّة أنّها رسالة من الله تعالى ، ففكرة القيمومة متمّمة لفكرة الله بالذات ، لأنّ الله تبارك وتعالى التعبير العلمي عنه هو القيمومة ، فقيمومة الله على الإنسان هذه مستبطنة في فكرة الله بالذات . وحيث إنّها مستبطنة في فكرة الله بالذات ، فأيُّ رسالة تفترض فكرة الله بالذات هي تفترض قيمومة الله أيضاً باعتبارها مستبطنة فيها . فالإسلام يعبّر عن رسالة ، وهذه الرسالة تدّعي أن هناك خالقاً مدبّراً قيّماً ، وأنّ هذه الرسالة هي مظهر قيمومة الله تعالى على الإنسان . وهذا الإنسان الذي يحمل هذه الرسالة ليس - بحسب منطق هذه الرسالة - إلّا أداة تنفيذ ، وفي هذه اللحظة التي تقتضي هذه الرسالة أن يحملها شخصٌ آخر غير هذا أو أن يتبادل مع شخص آخر دخل في الإسلام على يده ، فلا بدّ أن يحصل تبادل المراكز في حمل هذه الرسالة . فالقيمومة هنا في الواقع ليست قيمومة إنسان على إنسان ، وإنّما هي قيمومة الرسالة النازلة من السماء ، هي قيمومة الله تعالى . والإنسان هو أداة تنفيذ هذه القيمومة ، هو مظهر تنفيذ هذه القيمومة ، وبإمكان هذه الرسالة أن تصطنع دائماً مظهراً آخراً جديداً إن اقتضت مصلحتها ذلك . ونحن لا نتوقّع من غير المسلمين أن يؤمنوا بهذا التصوّر . لكنّنا نريد أن نشرح وجهة النظر الإسلاميّة . يعني : نريد أن نبيّن انسجام الإسلام مع قاعدته الفكريّة حيثما اتّخذ موقفه من الشعوب الأخرى . النقاش مع القاعدة الفكريّة : نقول - وهنا باب النقاش مفتوح - : هل أنّ فكرة الله صحيحة أو خاطئة ، هل أنّ فكرة القيمومة صحيحة ؟ هذا نقاشٌ مفتوحٌ ، ولكنّنا لسنا الآن بصدد ذلك ، وإنّما بصدد شرح وجهة نظر الإسلام في المشكلة المطروحة . الإسلام بحسب موقفه منسجم مع قاعدته الفكريّة التي يؤمن بصحّتها ، سواء آمنتَ بصحّتها أو [ ناقشتها ] . هو مؤمن بهذه القاعدة الفكريّة ، وهذه القاعدة الفكريّة تبرّر تبريراً كاملًا هذا الموقف ، لأنّ القيمومة تكون قيمومة الرسالة ، والرسالة تمثّل إرادة الله . وإرادة الله قيّمة على الإنسان ، لأنّ قيمومة الله مستبطنة في فكرة الله بالذات . وأمّا أيّ حضارة أخرى تنبع من واقع الإنسان ، فهذه الحضارة مهما كانت متفوّقة مرحليّاً على شعوب معيّنة أو على أشخاص معيّنين ، هذا التفوّق المرحلي لا يبرّر القيمومة بالقوّة ، أي لا يبرّر انتزاع إرادة هذا الإنسان والسيطرة عليه بالقوّة في سبيل تطويره . صحيح أنّ وجهة نظر هذا القيّم ، هذه الحضارة المتفوّقة ننظر إليها على أنّها الأصحّ والأكمل . ولكن هذه وجهة نظر محدودة في حدود التجربة التي عاشتها هذه الحضارة ، في حدود أبعاد الزمان والمكان والملابسات والشروط الموضوعيّة والشروط الاقتصاديّة والسياسيّة التي تمخّضت عنها وجهة النظر هذه . من قال لك أيّتها الحضارة : إنّ ذاك الشعب المتخلّف إذا تركتيه دون أن تسيطري عليه بالقوّة ، إذا تركتيه وأعفيتيه من سلطانك بالقوّة ، وبدأ يتحرّك ذاتيّاً ، وينشأ ذاتيّاً ، وبدأ يتحسّن ذاتيّاً ، ويتحرّك وينشط ذاتيّاً ، ويقع في محاولات الخطأ والصواب ذاتيّاً ، يسقط مرّة ، ويقف مرّة ، إلخ . . . من قال لك : إنّه سوف لن يكتشف