أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

137

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

حقيقة حضاريّة أكبر من الحقيقة التي اكتشفتيها خلال [ شوطك الاجتماعي ] ، أنت اكتشفت حقيقة خلال تاريخ معيّن ، وضمن ملابسات معيّنة ؟ أمّا هل هذه الحقيقة تمثّل الحقيقة المطلقة ؟ طبعاً لا توجد هناك حضارة بشريّة تدّعي هذا . فمن قال لهذه الحضارة : إنّ شعباً آخر لو اعتمد على طاقاته الذاتيّة ، لو أنّه أعفي من فرض مراسيم بالقوّة وتحديدها بخط مرسوم كما يقال للطفل : امشِ في هذا الخط . لو أعفي هذا الشعب من هذا ، مَن قال : إنّه سوف لن يكشف جانباً أكبر من هذه الحقيقة ، الحقيقة ليست ملك شعب دون شعب أو عقل دون عقل . والحقيقة قد تكشفت جوانبها بالتفاعل والتساند بين كلّ الشعوب . أنت فرضت مسبقاً أنّ الحقيقة المطلقة هذه ، بينما أنت نظريّاً لا يمكنك أن تدّعي أنّ الحقيقة المطلقة هذه . ومع هذا طلبت بالقوّة من الشعوب المختلفة في العالم بأن تنهج نفس الخط وأن تسير نفس الطريق . بينما لو فسح المجال لكلّ شعب أن يمارس تجربته الذاتيّة وتفاعل في التجارب الذاتيّة ضمن زمنٍ وشروطٍ مختلفة موضوعيّةٍ ومع ملابسات مختلفة اقتصاديّاً وسياسيّاً وفكريّاً وروحيّاً ، كان بالإمكان أن ترى التجربة البشريّة ككلّ بدرجة أكبر ممّا أن تعرض نتائج تجربة معيّنة لشعب معيّن على كلّ شعوب الأسرة البشريّة . فمن غير المنطقي أن تقول حضارة ما : إنّني اكتشفت الحقيقة من [ زاويتي ] وضمن شروط وملابسات . لكنّ هذه الحقيقة التي اكتشفتها من [ زاويتي ] وشروطي وملابساتي وأريد أن أفرضها على شعوب العالم ، بينما هذه الشعوب بالإمكان أن تكشف حقيقة من جوانب وزوايا أخرى ، وقد تكون هذه الكشوف الأخرى في التجربة التاريخيّة للبشر ، قد تكون نافعة في سبيل تصعيد الحياة الإنسانيّة ككل . فيبقى هنا نوع من التناقض ، التناقض العقلي في موقفهم . صحيحٌ أنّ هناك احتمالًا آخر ، وهو أنّه بالإمكان أنّ هذا الشعب الآخر لو ترك فسوف يضيع وسوف يستمرّ في الضياع ولكنّ هذا مجرد احتمال . طبعاً الاحتمال موجود ولكنّ الاحتمال الآخر هو الأقوى ، لأنّه هو الذي يساعد عليه التاريخ ، والذي ينظر إلى تاريخ شعوب العالم وإلى حركة التاريخ يرى بأنّ الحقيقة لن تنكشف من قبل شعب واحد ولم تكن الحقيقة في وقتٍ من الأوقات محتكرة لشعب واحد أو مكتشفة من قبل شعب واحد . جميع شعوب العالم تقريباً ساهمت في الحقيقة التاريخيّة ككلّ ، كلّ شعب خلال حضارته وخلال وجوده ودخوله على مسرح الإنسان اليوم ، فالشيء الأقرب احتمالًا سوف يكون مانعاً عن فرض القيمومة لشعب على شعب بالقوّة . ولو جمّدنا المواهب والعطايا والطاقات الخّام الموجودة في هذه الشعوب وفرضنا عليهم بالقوّة أن يعملوا عملنا ، ويعيشوا اقتصاديّاً وسياسيّاً كما نعيش سياسيّاً واقتصاديّاً ، فإنّنا سوف نجمّد حركة هذه الشعوب ، وكذلك يمكن أن تكتشف هذه الشعوب أخطاءنا ، وبالتالي نصبح متخلّفين عنها حضاريّاً ، فهل نقبل قيمومة هذه الشعوب بالقوَّة . وفي وجهة النظر المحدودة التي تفرضها الحضارة الغربيّة على الشعوب المتأخّرة أذكر هذه الحادثة : [ إنجلز ] كتب في ضدّ دوهرنك يعتذر - كأنّ كاتباً ما انتقده على قوله : إنّ الديالكتيك ينطبق على كلّ شيء حتّى على الرياضيّات ، وكونه طبّق الديالكتيك على الرياضيّات حيث قال : إنّ الأعداد السالبة والموجبة تمثّل نفياً وإثباتاً ، حينذاك الكاتب قال بأنّ إنجلز يجهل معنى الموجبة والسالبة ، وإلّا ما معنى أنّ الأعداد الموجبة تمثّل إثباتاً والأعداد السالبة تمثّل نفياً - ، هو يعتذر في هذا الكتاب ويقول ما معناه : إنّي قد تسرّعت في دعواي أنّ الديالكتيك ينطبق على كلّ شيء وعلى الرياضيّات ، ومطالعاتي في الرياضيّات قليلة ، ولذا لا أستطيع أن أجعله في هذا الميدان . ولكنّي حينما حاولت هذا كنتُ متأكّداً من أنّ الديالكتيك - ولا أزال متأكّداً - بشكل من الأشكال ينطبق على كلّ شيء . طبعاً إنّ قصده أنّ الديالكتيك ينطبق على كلّ أنواع التطبيقات ، وذلك لأنّه عاش ومارس الفترة