أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
110
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
في الفاتيكان سفير . أمّا المرجعيّة الشيعيّة فليست شخصاً واحداً ، وليس لديها ممثّل رسمي لكي يوجّه إليه دعوة ، وأكّد على أنّ ذلك ليس نابعاً من قلّة اعتنائه بالمرجعيّة الشيعيّة « 1 » . السيّد الصدر ( رحمة الله ) في مكّة المكرّمة بعد تصرّم عشرة أيّام تامّة في ظلال رسول الله ( ع ) ، والأئمّة الطاهرين ( ع ) ، توجّه السيّد الصدر ( رحمة الله ) مع زوجته وزوجة أخيه إلى مكّة المكرّمة استعداداً للحج ؛ فمن مسجد الشجرة حيث أحرموا انطلقوا صوب المشاعر المقدّسة ، يلبّون : « لبّيك اللّهُمّ لبّيك ، لبّيك لا شريك لك لبّيك ، إنّ الحمد ، والنّعمة ، لك والمُلك ، لا شريك لك لبّيك . . لبّيك ذا المعارج لبّيك ، لبّيك داعياً إلى دار السّلام لبّيك ، لبّيك غفّار الذنوب لبّيك ، لبّيك أهل التّلبية لبّيك ، لبّيك ذا الجلال والإكرام لبّيك ، لبّيك تبدئ والمعادُ إليك لبّيك ، لبّيك تستغني ويُفتقرُ إليك لبّيك ، لبّيك مرهُوباً ومرغُوباً إليك لبّيك ، لبّيك إله الحقّ لبّيك ، لبّيك ذا النّعماء والفضل الحسن الجميل لبّيك ، لبّيك كشّاف الكُرب العظام لبّيك ، لبّيك عبدُك وابنُ عبديك لبّيك ، لبّيك يا كريمُ لبّيك » « 2 » ) . دخلوا مكّة المكرّمة ، واتّجهوا إلى البيت الحرام . التفتُّ السيّد الصدر ( رحمة الله ) وهم على أعتاب الحرم الشريف ، فرأته زوجته قد ذهل عن وجوده وعمّن حول - ه حينذاك . لقد أتمّوا أعمال عمرة التمتّع في يسر ؛ إذ لم يكن هناك أعداد كبيرة من الحجّاج آنذاك في مثل تلك الأيّام . وقد بقوا في مكّة - قبل التحرّك نحو عرفات - عدّة أيام ، يكرّرون الزيارة والطواف في البيت العتيق . ولا تنسى السيّدة فاطمة أنّها أتت يوماً مع زوجها إلى المسجد الحرام ، وبعد الطواف حول البيت رمى ( رحمة الله ) بنفسه على شاذروان الكعبة متعلّقاً بأستارها ، وكان ذلك في داخل حِجر إسماعيل تحت الميزاب ، وقد تحاذفت عيناه بالدموع ، وسالت على وجهه ، وقد اضطرب كيانه . وكانت تراه يرتعد . جلست السيّدة فاطمة جانباً تقرأ بعض الأوراد والأذكار حيناً ، وترقب زوجها حيناً آخر ، حتّى إذا سكت أنينه الخافت ، وذهب عنه ما كان فيه ، توجّه إلى خلف مقام إبراهيم ( ع ) ، وكانت قريبة منه هناك ، فشاهدته قد بقي واقفاً خلف المقام مشدوهاً ، قد انشدّ وجوده إلى الكعبة الشريفة ، ولاحظت أنّ عينيه بدتا كالزائغتين ، وقد انخطف لونه ، وخيِّل لها أنّه يترنَّح ، فخافت عليه من السّقوط ، فأسرعت إلى بئر زمزم ، ورجعت ومعها شيءٌ من مائها المبارك ، فرشّت منه على وجهه ، وقدّمت إليه إناء الماء وقالت : « هاك ابن عمِّ ، فاشرب من هذا الماء » . وهنا التفتَ إلى ناحيتها موجّها إليها نظرة عتاب ، قائلًا في نبرة كلّها أسف : « ماذا فعلتِ يا ابنة العم ، هلّا تركتِني وما كنت فيه » ، فردّت : « خفت عليك أن تسقط ، لقد أشفقت عليك من الهلاك » . وعندما حلّ يوم عرفة ، راح السيّد الصدر ( رحمة الله ) يحدّث أثناء صعودهم عن هذه المشاعر والشعائر المقدّسة ، وتاريخها ، وعظمتها ، والمعاني العامرة في أجوائها ، وأريج النبوّات المتعاقبة المنبعث منها .
--> ( 1 ) زندگانى زعيم بزرگ عالم تشيع آيت الله بروجردي ( فارسي ) : 317 ، والقصّة ينقلها في الهامش المؤلّف الشيخ علي دواني عن السيّد موسى الصدر ، الذي ذكرها في بيته في صور . وليس واضحاً إن كان قد سمعها منه مباشرةً . يُشار - من باب الركون إلى صحّة المعلومة - إلى أنّ شارل الحلو كان رئيس الجمهوريّة فعلًا سنة 1387 ه - ( 2 ) وردت التلبية في المصدر مبتورة ، وقد تمّمناها من المصادر الروائيّة ( تهذيب الأحكام 91 : 5 ) .