أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

111

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

لقد رأت السيّدة فاطمة زوجها وقد أخذ موقفه على ذلك الصعيد الطاهر مشتغلًا بأذكار ذلك اليوم وأوراده ، وهو في أحوالٍ وأهوال لم تشهده في مثلها من قبل ، ولكنّها في هذه المرّة عندما عرفت أنه بدأ يفقد إحساسه بوجوده ، تركته ولم تقطع عليه نشوة الروح ؛ فقد راح يقرأ دعاء الإمام الحسين ( ع ) المعروف والمختصّ بذلك اليوم العظيم ، وفي دعائه ذاك أحسّت أنّه لم يكن يشعر بما يجري من حوله ، تارةً يناجي ، وتارةً يسكت متأمّلًا ، وعيناه تتفجّر دموعاً ، وتارةً يسبّح ، وقد ينخرط فجأة في نوبة من البكاء المرير . وكانت حالةً لم ترَ السيّدة فاطمة مثلها في حياتها ، مع أنّها لطالما استيقظت في بهيم الليل ، فتراه صافّاً قدميه بين يدي ربّه ، فكانت تبقى مستيقظةً مرافقةً له ، ثمّ تتأمّل ما قد ينتابه من حالات روحيّة مختلفة . وكان يخيَّل إليها عندها أحيانا - لطول سجوده - أنّه قد قُبِض . . أو أنّه يقوم بعد ذلك واقفاً ليطيل القراءة ؛ فإذا نشر كفّيه للدعاء ، تهدّج صوته وخنقته عبرته ، فتسمعه يناجي طويلًا ، ثمّ قد يختفي صوته ، فيبقى ساكناً واجماً في وقوفه حتّى يركع . . ذلك كان ديدنه ، ولكن ليس كمثل يوم عرفة ما يشبهه « 1 » . مجريات سفر السيّد الحكيم ( رحمه الله ) لقد جرى استقبالٌ رسميٌّ للسيّد الحكيم ( رحمة الله ) في الديار المقدّسة ، وكان الملك فيصل قد أصرّ مسبقاً على السيّد هادي الحكيم ممثّل السيّد الحكيم ( رحمة الله ) على نزول الأخير في ضيافته في قصر ( خزام ) في مكّة والمدينة ، إلّا أنّ السيّد الحكيم ( رحمة الله ) رفض ذلك لأنّه يمنعه عن الاتّصال بالجماهير ، ولكنّه استجاب بعد إصرار الملك فيصل بشرط رفع موانع الاتّصال بالجماهير . وقد زار السيّد الحكيم ( رحمة الله ) رئيس رابطة العالم الإسلامي الشيخ محمّد سرور الصبّان وأعضاء الرابطة . وزاره كبار علماء المسلمين وأقام مأدبة غداء لهم ، وألقى نجله السيّد محمّد باقر الحكيم ( رحمة الله ) كلمة والده « 2 » والتي جاء فيها : « بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين . وبعد ، فإنّ من أعظم نعم المولى سبحانه وتعالى علينا أن جمعنا في هذه البقعة الطاهرة ، في ظلال فريضةٍ من أكبر فرائض الإسلام ، وفي جوٍّ عامرٍ بذكريات النبوّة والوحي والجهاد . ويجب علينا - شكراً لهذه النعمة - أن نستوحي من فريضة الحجّ المباركة وقدسيّة الذكريات الشريفة ما يوضح لنا الطريق ويعين على أداء واجبنا العظيم تجاه الإسلام ومسؤوليّتنا الكبيرة في حماية الشريعة والحفاظ على كيان الأمّة ومقدّساتها . ولئن كان الإسلام بحاجةٍ في كلّ عصر إلى التبليغ والحماية والعمل في سبيله ، فهو أحوج إلى ذلك في هذا العصر من أيّ عصرٍ مضى لما يتعرّض له ديننا الحنيف من أخطاء وما يواجهه من تيّارات ، ولهذا فإنّ الرسالة الإسلاميّة الغالية التي بذل النبيُّ الأعظم وآله وصحبه المجاهدون نفوسهم في سبيلها تطلب منّا اليوم

--> ( 1 ) وجع الصدر . . ومن وراء الصدر أم جعفر : 161 - 163 ( 2 ) مجلّة ( رسالة الإسلام ) ، السنة الثانية ، العدد 7 - 8 ، 1 / ذي القعدة / [ 1387 ه - ] / 1 / 2 / 1968 م ( في المصدر 1388 ه - وهو خطأ ) : 180 - 182 ؛ الإمام محسن الحكيم ، عدنان السراج : 34 ؛ الإمام المجاهد السيّد محسن الحكيم : 109 .