أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

108

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

وأثناء غيابه أقام في منزله مجموعة من الطلّاب كالشيخ حسين كوراني والشيخ حسن ملك والسيّد حسين هادي الصدر والسيّد حسين إسماعيل الصدر والشيخ خالد العطيّة وكانوا - أو معظمهم - يدرسون كتاب ( اللمعة الدمشقيّة ) عند السيّد پشتوائي « 1 » . السيّد الصدر ( رحمة الله ) في المدينة المنوّرة سافر السيّد الصدر ( رحمة الله ) عبر البرّ عن طريق الكويت « 2 » ، وأدركهم الليل وهم في الكويت ، حيث راحوا يبحثون عن مكان للمبيت فيه ، فنزلوا في أحد فنادق العاصمة . ومع أنّ للسيّد الصدر ( رحمة الله ) هناك معارف وأصدقاء ومحبّين ، إلّا أنّه شاء أن تكون حجّتهم خفيّة خالصة ، بلا ضجيج ، ولا حاشية ولا أتباع . في الفندق رحّب بهم مسؤول الاستقبال وأخذ يعرض عليهم خدماته ومميّزات الإقامة في فندقه ، ومن أهمّها حسبما قال وجود أحد الأسواق الراقية قريباً من الفندق ، وأنّه يستطيع أن يدلّهم عليه ، فتبادل السيّد الصدر ( رحمة الله ) النظر مع زوجته وهي تبتسم له ، وكأنّها تقول : « خذ . . هذا في أوّل الطريق ، لسنا نحن من ذكر السوق ، بل هو مضيفك » . وفي صباح اليوم التالي توجّهوا إلى الحدود السعوديّة ، وباتوا ليلتهم الثانية في فندق في مدينة الدمّام في المنطقة الشرقيّة . ثمّ واصلوا الطريق حتّى مدينة الرسول ( ع ) . وهناك نزلوا في دار من الدور التابعة لشيعة المدينة المنوّرة ( النخاولة ) المعدّة للإيجار ونزول الزائرين . ولكنّهم وجدوهم آنئذٍ فئةً من الناس محرومة ، تعيش الفقر والإهمال في تلك السنين ، إذ كانوا يعيشون في بيوت متهالكة تفتقر إلى أبسط الخدمات المدنيّة العادية ؛ فحتّى الماء كانوا يجلبونه إلى بيوتهم على العربات اليدويّة في براميل ، ويخزنون الماء عندهم في خزّانات من الصفيح . لم تتحمّل السيّدة فاطمة الصدر هذا الوضع ، إذ كانت قد تربّت ونشأت في بيئة أكثر تمدّناً من هذه الجهة في إيران ثمّ في العراق ، ووجدت مسألة التطهير والنظافة مسألة شائكة وعويصة شاقة عليها . ومع أنّ مبلغ الإجارة كان مناسباً لهم ، إذ لم يكن ليكلّفهم كثيراً ، والأهالي كانوا على درجة عالية من الطيبة والطهارة والتديّن ، إلّا أنّ الوضع لم يكن محتملًا من جهتها لناحية توفّر إسالة الماء . عندها طلبت السيّدة فاطمة من زوجها تغيير مكان الإقامة والانتقال إلى مكان أنظف والماء فيه أكثر وفرة وأسهل من ناحية الاستخدام ، فقال : « إنّ ذلك يقتضي أن يكون مبلغ الإجارة مضاعفاً ، وهذا يتطلّب بالتالي الاقتصاد في مصروف المأكل والمشرب » . فوافقتا على ذلك ، وانتقلوا إثر ذلك إلى فندق في شارع رئيس مطلٍّ على الحرم الشريف والبقيع معاً . وهناك استقرَّ بهم المقام ، وطاب لهم حينها حتّى القيام بالطبخ ؛ إذ مضت عليهم عدّة أيّام منذ خروجهم من العراق ولم يطعموا أكلًا من طبخ الأيدي ، إذ كان اعتمادهم طوال أيّام متوالية على الخبز والنواشف . ولكن مع طيب الإقامة في الفندق ذاك ، تسنّى لهم أن يستمتعوا بتناول ما تطبخه أيديهم ، فحتّى الفسنجون [ الأكلة المعروفة في إيران

--> ( 1 ) مقابلة مع الشيخ حسين كوراني ( ( ) ( 2 ) حدّثني بذلك السيّد محمّد الغروي بتاريخ 25 / 5 / 2004 م .