أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
مقدمة 55
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
الاستقراء ، لا أنّنا نفترضها مصادرةً من عنديّاتنا ثمّ نحاكم على ضوئها أعداداً هائلة من الاحتمالات المتراكمة التي تنازعها . ومن هنا ، فإنّ جولة تاريخيّة ستوصلنا إلى ما يكاد يبلغ حدّ التواتر الإجمالي بوجود خلافات من هذا القبيل ، علماً بأنّ ما ينعكس في الكتب لا يعبّر بطبيعة الحال سوى عن جزءٍ يسير ممّا كان يجري ، خاصّةً إذا لم يكن هناك قوّة إعلاميّة قائمة . والخلافات التي نتحدّث عنها ليست ناشئة فقط من الاختلاف في وجهات النظر المتعلّقة بكبريات العمل السياسي والاجتماعي مثلًا ، لأنّنا نلمس توتّر الأجواء حتّى في مقام البحث العلمي ، حتّى أنّك تجد الشيخ صاحب ( الجواهر ) ( ره ) مثلًا يطيل البحث كثيراً في بحث الوجوب العيني لصلاة الجمعة ، وممّا يقوله : « ومن مضحكات المقام دعوى بعض المحدثين تواتر النصوص بالوجوب العيني » ، وكذلك قوله : « ولقد وقفت على جملة من الرسائل المصنّفة في المسألة نسجوا فيها على منوال هذه الرسالة ، وقد أكثروا فيها من السب والشتم ، خصوصاً رسالة الكاشاني التي سمّاها ب - ( الشهاب الثاقب ورجوم الشياطين ) ، ولولا أنّه آية في كتاب الله لقابلناه بمثله ، لكن لا يبعد أن تكون هذه الرسالة وما شابهها من كتب الضلال التي يجب إتلافها ، اللهمّ إلّا أن يرجّح بقاءها أنّها أشنع شيء على مصنّفيها لما فيها من مخالفة الواقع في النقل وغيره ، بل فيها ما يدلّ على أنّهم ليسوا من أهل العلم كي يعتدّ بكلامهم ويعتنى بشأنهم . . . ولقد قيل : إنّ بعضهم كان يبالغ في حرمتها حال قصور يده ولمّا ظهرت له كلمة بالغ في وجوبها » « 1 » . ومن هنا - وبعيداً عن المثال المتقدّم - يقول الشيخ مرتضى الأنصاري ( ره ) : « وقد وقع من بعض الأعلام بالنسبة إلى بعضهم ما لا بدّ له من الحملٍ والتوجيه ، أعوذ بالله من الغرور وإعجاب المرء بنفسه ، وحسده على غيره ، والاستيكال بالعلم » « 2 » . ويقول في موضع آخر : « وأمّا ما وقع من بعض الأعلام بالنسبة إلى من تقدّم عليه منهم من الجهر بالسوء من القول ، فلم يعرف له وجهٌ ، مع شيوعه بينهم من قديم الأيّام ! » « 3 » ، وليس المقام مقام إحصاء كلماتهم الكاشفة عن ذلك ولو بعضاً . ونحن سنقوم بعرض بعض النماذج التي تؤكّد على وجود خلافات تتفاوت عمقاً وسعةً ، ولكنّنا نؤكّد على أنّنا لسنا في مقام بيان حقيقة العلاقة بين علمائنا لتكون هذه النماذج معبّرة عنها ، فإنّ هذا سيعني - حينها - تشويهاً للحقيقة ؛ لأنّ لدينا مئات الشواهد والحاكايا التاريخيّة التي تكشف عن طهارة وعظمة العلاقات التي قامت بين الكثيرين منهم ، وسيأتيك بعضها في هذا الكتاب . إذن نحن في مقام بيان أصل وجود خلاف بينهم فحسب ، ولا ندّعي أنّ هذه النماذج تتكفّل بييان طبيعة علاقاتهم بشقّيها الإيجابي والسلبي : [ 1 - خلاف الكركي - القطيفي ] 1 - الخلاف الواقع بين المحقّق الكركي ( ره ) وبين الشيخ إبراهيم القطيفي ( ره ) الذي عارضه بشدّة
--> ( 1 ) جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 174 : 11 ، 178 ( 2 ) كتاب المكاسب 331 : 1 ( 3 ) كتاب المكاسب 357 : 1 .