أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

مقدمة 54

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

الداخل ، وهو في قسمٍ منه أمرٌ طبيعي ، ولكنّه أحياناً زائدٌ بمدّه عن حدّه . وفي هذا الصدد كلامٌ للشيخ محمّد جواد مغنيّة ( ره ) ، ونحن وإن خالفناه في مستوى الشدّة وفي تصوير المسألة ، إلّا أنّ كلامه ليس نابعاً من فراغ على أيّة حال ، وربّما كان ناظراً في هذا النص إلى بعض المصاديق الخارجيّة التي عايشها ( ره ) . يقول ( ره ) : « وبهذه المناسبة نذكر أوجه الشبه بين بعض أولاد العلماء بالدين وأولاد إسرائيل ، وهو الاسم الثاني ليعقوب : قال أولاد بني إسرائيل إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ « 1 » ، وبهذا الوصف ينعت بعض أولاد العلماء آباءهم إذا قالوا كلمة أو تصرّفوا تصرّفاً لا يعجبهم ولا يتّفق مع أهوائهم ، حتّى ولو كان وحياً منزلًا . وقال أولاد إسرائيل : اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ « 2 » . وهكذا يفعل بعض أولاد العلماء ، يتآمرون على الناصح الأمين ، ويدسّون عليه الدسائس والمفتريات ليخلو لهم وجه أبيهم وللشياطين من أمثالهم ، ثمّ يوحون إليه بما استوحوه من وسطاء الشر وعملاء الشيطان ، ويقبضون الأجر بالعملة الصعبة والنقد النادر ، وكلّما كان التأثير بالغاً تضاعف الأجر . وجاء أولاد إسرائيل على قميص يوسف بِدَمٍ كَذِبٍ « 3 » . وفي كل يومٍ يحمل بعض أولاد العلماء لأبائهم أحاديث وروايات ابتدعوها ظلماً وزوراً ينالون بها من مقام المخلص الأمين ، ويرفعون من شأن الخائن العميل عند الوالد الكريم ، ليأخذ منه ومنهم دون مراقبٍ ومعاتب « 4 » . وجاء أولاد إسرائيل أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ « 5 » ، يسترون فعلتهم الشنعاء بالنفاق ودموع التماسيح . وتظاهر أولاد العلماء أمام أبيهم المقدّس بالتقى والقداسة كذباً ورياءً ؛ لينخدع بدسائسهم ومؤامراتهم » « 6 » . المثال الرابع : وإذا أوردنا من الروايات ما يُستفاد منه وجود خلافات بين العلماء ، علت صيحات الاتّهام بالوضع والتزوير والتحامل . . . باعتبار أنّ لدى الناس مصادرات أوليّة قبليّة حول الموضوع مفادها أنّ « العلماء لا يختلفون » ، فكلّما ورد خبر يفيد اختلافهم ، حملوه على هذه الكبرى الأوليّة التي لا مجال لمسّها بحسب الفرض ، باعتبارها أوليّة ، فيتمّ طرح الخبر . وهذا شبيهٌ ببحث المصادرات الذي وقع في فخّه المنطق الأرسطي ، الذي حسب أنّ التواتر يفيد اليقين لاعتماده على كبرى عقليّة أوليّة مفادها « استحالة الاتفاق الدائمي » ، إلى أن أتى دور السيّد الصدر ( ره ) الذي أرشد هذا المنطق إلى أنّ هذه الكبرى هي بنفسها وليدة حساب الاحتمال ، وأنّها بَعديّة لا قبليّة ، وأنّ حياتها تعتمد على مدى جود أو بخل الاحتمالات تبعاً للدرجة الذي يوصل إليها تراكمها . وما نحن فيه من هذا القبيل ؛ فإنّ إيماننا بقضيّة عدم اختلاف العلماء منوط بما يمنحه لنا

--> ( 1 ) يوسف : 8 ( 2 ) يوسف : 9 ( 3 ) يوسف : 18 ( 4 ) انظر إلى هنا : التفسير الكاشف 293 : 4 - 294 ؛ صفحات لوقت الفراغ : 177 ( 5 ) يوسف : 16 ( 6 ) التفسير الكاشف 294 : 4 .