أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

مقدمة 53

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

وعن هذه المسألة في شقّها المرتبط بأهل السنّة ، يقول الشيخ محمّد رشيد رضا صاحب ( المنار ) : « إنّ للعلماء من الاحترام والنفوذ الروحي في بلاد الأعاجم ما ليس لهم في البلاد العربيّة ، وإنّ احترامهم في بلاد الفرس أشدّ منه في سائر بلاد العجم ؛ فإنّ الحكّام ليس لهم عليهم من السلطة هناك مثل ما لغيرهم من حكّام المسلمين ، وما أزال الملوك والأمراء احترام العلماء ومحو نفوذهم - حاشا ما كان منه مؤيّداً لهم ومعيناً لاستبدادهم - إلّا بما اخترعوه لهم من الرتب العلميّة وكساوي الشرف الوهميّة ، وبما جعلوا من موارد أرزاقهم في تصرّفهم ، فصار رزق العالم وجاهه الدنيوي بيد الأمير أو السلطان ، وهما الرسنان اللذان يقودون بهما طالب المال والجاه من العلماء إلى حيث شاءوا ، فإذا أمكن لطلّاب الإصلاح الإسلامي أن يبطلوا هذه الرتب العلميّة وما لها من الشارات ، ويخرجوا أرزاق علماء الدين من أيدي الحكّام فإنّهم يحرّرون العلماء من رقٍّ يكون مقدّمةً لإصلاح الأمّة كلّها » « 1 » . المثال الثاني : وربّما أوردنا في الكتاب ما يُستفاد منه تحفّظ العلماء على إبداء ما يتوصّلون إليه من فتاوى مراعاةً للناس ، وهو ممّا يثير حفيظة الكثيرين . ولكنّه على أيّة حال ليس ممّا يتفرّد به الكتاب : 1 - فها هو الشيخ محمّد جواد مغنيّة مثلًا يقول لدى حديثه عن طهارة أهل الكتاب : « وما زلتُ أذكر أنّ الأستاذ قال في الدرس ما نصّه : ( إنّ أهل الكتاب طاهرون علميّاً - أي نظريّاً - نجسون عمليّاً ) ، وأنّي أجبته بالحرف أيضاً : ( هذا اعترافٌ صريحٌ بأنّ الحكم بالنجاسة عملٌ بلا علم ) ، فضحك الأستاذ ورفاق الصف ، وانتهى كلّ شيء . وقد عاصرتُ ثلاثة مراجع كبار من أهل الفتيا والتقليد ، الأوّل كان في النجف الأشرف ، وهو الشيخ محمّد رضا آل ياسين ؛ والثاني في قم ، وهو السيّد صدر الدين الصدر ؛ والثالث في لبنان ، وهو السيّد محسن الأمين ، وقد أفتوا جميعاً بالطهارة ، وأسرّوا بذلك إلى من يثقون به ، ولم يعلنوا خوفاً من المهوّشين ، على أنّ آل ياسين كان أجرأ الجميع . وأنا على يقينٍ بأنّ كثيراً من فقهاء اليوم والأمس يقولون بالطهارة ، ولكنّهم يخشون أهل الجهل ، والله أحقّ أن يخشوه » « 2 » ، حتّى لو لم يكن اعتقادنا بالمسألة بالمستوى الذي صوّره ( ره ) . 2 - وقد قدّمنا في ما سبق رسالة السيّد الصدر ( ره ) التي يسجّل فيها موقفه من انعكاسات إفتائه بطهارة أهل الكتاب ، وفيها إشارة إلى ما نحن فيه . 3 - كما أنّ للشهيد مطهّري ( ره ) كلاماً متعلّقاً بدواعي كتمان الفتاوى عن الناس تحت عنوان ( كتمان يا اظهار ؟ ) « 3 » . المثال الثالث : قد يجد القارئ في هذا الكتاب بعض الأحداث التي توحي - أو تصرّح - بأنّ لأبناء العلماء دوراً - يختلف خفّةً وشدّةً - في التأثير على سياسات آبائهم ، وهو أمرٌ يلمسه أهل

--> ( 1 ) نامه ها واسناد سياسي - تاريخي از سيد جمال الدين الحسيني اسدآبادى ( فارسي ) : 198 ( 2 ) فقه الإمام جعفر الصادق 43 : 1 ( 3 ) مسأله حجاب ( فارسي ) ، مجموعه آثار 560 : 19 .